
تتجه أنظار جماهير كرة القدم العربية والعالمية إلى المواجهة المرتقبة بين المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي في ربع نهائي كأس العالم 2026، في لقاء يحمل الكثير من العناوين الكبرى؛ فهناك ذكريات نصف نهائي مونديال 2022، وهناك رغبة مغربية واضحة في رد الاعتبار، وفي المقابل تسعى فرنسا إلى تأكيد تفوقها وبلوغ نصف النهائي مجددًا على حساب “أسود الأطلس”.
وجاءت هذه القمة بعد أن واصل المنتخب المغربي مشواره المميز في البطولة، حيث تخطى كندا بثلاثية نظيفة في دور الـ16، بينما عبر المنتخب الفرنسي عقبة باراغواي بصعوبة بهدف دون رد سجله كيليان مبابي من ركلة جزاء، ليحجز “الديوك” موعدًا جديدًا مع المغرب في دور الثمانية. (Reuters)
مواجهة جديدة بعد صدام 2022
تعيد هذه المباراة إلى الذاكرة ليلة استاد البيت في قطر، عندما التقى المغرب وفرنسا في نصف نهائي كأس العالم 2022، في واحدة من أكثر المباريات حضورًا في الذاكرة العربية والإفريقية. يومها، توقف الحلم المغربي التاريخي عند محطة نصف النهائي، بعد خسارة “أسود الأطلس” أمام فرنسا بنتيجة 2-0، في لقاء سجّل خلاله ثيو هيرنانديز وراندال كولو مواني هدفي المنتخب الفرنسي.
ورغم الخسارة، بقيت تلك النسخة علامة فارقة في تاريخ الكرة المغربية والعربية والإفريقية، بعدما أصبح المغرب أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. ولذلك، فإن مواجهة 2026 لا تبدو مجرد مباراة عادية في ربع النهائي، بل تحمل بعدًا معنويًا كبيرًا، خاصة بالنسبة لجيل يريد كتابة فصل جديد يتجاوز حدود الإنجاز السابق.
فرنسا تحتفظ بجزء كبير من قوامها
يدخل المنتخب الفرنسي المواجهة بخبرة كبيرة في الأدوار الإقصائية، خاصة أن ديدييه ديشامب حافظ على عدد من الأسماء التي عاشت أجواء مونديال 2022، وفي مقدمتهم كيليان مبابي، ومايك ماينان، وجول كوندي، ودايوت أوباميكانو، وويليام ساليبا، وثيو هيرنانديز، وأوريلين تشواميني، وأدريان رابيو، ونجولو كانتي، وعثمان ديمبيلي، وماركوس تورام.
ومن اللافت أن ثيو هيرنانديز، صاحب الهدف الأول أمام المغرب في نصف نهائي 2022، حاضر مجددًا في حسابات فرنسا، كما أنه يخوض حاليًا تجربة مع الهلال السعودي، وفق بيانات نادي الهلال الرسمية.
في المقابل، يغيب كولو مواني، صاحب الهدف الثاني في مواجهة الدوحة، عن حسابات ديشامب الحالية، وهو ما يعكس بعض التغييرات داخل المنتخب الفرنسي، رغم احتفاظه بالهيكل الأساسي والخبرة الكبرى.
المغرب بوجه جديد وطموح أكبر
على الطرف الآخر، يدخل المنتخب المغربي المباراة بقائمة شهدت تغييرات مهمة مقارنة بنسخة 2022. فلم يتبق من “الحرس القديم” سوى أسماء بارزة، مثل ياسين بونو، ومنير المحمدي، وأحمد رضا التكناوتي، ونصير مزراوي، وأشرف حكيمي، وسفيان أمرابط، وعز الدين أوناحي.
كما أن التغيير الأبرز تمثل في تولي محمد وهبي قيادة المنتخب، بعد تجربة ناجحة مع منتخب تحت 20 عامًا. ويبدو أن وهبي نجح في الحفاظ على الروح القتالية المغربية، مع إضافة أفكار جديدة جعلت المنتخب أكثر مرونة في التعامل مع مدارس كروية مختلفة خلال البطولة.
ولذلك، فإن المغرب يدخل مواجهة فرنسا بثقة أكبر مما كان عليه في 2022. فقد لم يعد الوصول إلى الأدوار المتقدمة مفاجأة، بل أصبح امتدادًا طبيعيًا لتطور واضح في شخصية المنتخب وقدرته على مقارعة الكبار.
طريق المغرب إلى ربع النهائي
لم يكن طريق المنتخب المغربي إلى ربع النهائي سهلًا، بل مر عبر اختبارات متنوعة. ففي دور المجموعات، افتتح “أسود الأطلس” مشوارهم بتعادل قوي أمام البرازيل 1-1، ثم حققوا فوزًا مهمًا على إسكتلندا بهدف دون رد، قبل أن يتجاوزوا هايتي بنتيجة 4-2.
وفي الأدوار الإقصائية، خاض المغرب مواجهة شاقة أمام هولندا، انتهت بالتعادل 1-1 بعد الوقتين الأصلي والإضافي، قبل أن يحسمها بركلات الترجيح بنتيجة 3-2، وسط تألق جديد من ياسين بونو. ثم جاء الانتصار الكبير على كندا بثلاثية نظيفة في دور الـ16، حيث سجل عز الدين أوناحي ثنائية، وأضاف سفيان رحيمي الهدف الثالث، ليحجز المغرب مقعده بين أفضل 8 منتخبات في العالم.
هذا المسار يؤكد أن المغرب لا يعتمد على سيناريو واحد، بل يملك القدرة على الصمود، واللعب تحت الضغط، ثم استغلال اللحظات الحاسمة.
فرنسا.. قوة هجومية وحسم في الوقت المناسب
أما المنتخب الفرنسي، فقد ظهر بقوة منذ دور المجموعات، بعدما حقق نتائج كبيرة، قبل أن يواصل حضوره الهجومي في الأدوار الإقصائية. وعلى الرغم من أن مواجهة باراغواي لم تكن سهلة، فإن فرنسا امتلكت ما يكفي من الخبرة لحسمها بهدف مبابي من ركلة جزاء.
ووفق تقارير المباراة، عانت فرنسا أمام دفاع باراغواي المتكتل وأجواء بدنية صعبة، لكنها نجحت في العبور إلى ربع النهائي بفضل هدوء مبابي، الذي رفع رصيده إلى سبعة أهداف في البطولة، كما وصل إلى 19 هدفًا في تاريخ مشاركاته بكأس العالم.
وبالتالي، يدخل المنتخب الفرنسي مواجهة المغرب وهو يدرك أن قوته الهجومية قد لا تكفي وحدها، خاصة أمام منتخب مغربي يجيد إغلاق المساحات والانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم.
تحليل فني: أين تُحسم المباراة؟
فنيًا، ستكون المواجهة بين المغرب وفرنسا صراعًا على التفاصيل. المنتخب الفرنسي يملك أسماء قادرة على الحسم من أنصاف الفرص، وفي مقدمتهم مبابي وديمبيلي وتورام، بينما يمتلك المغرب منظومة دفاعية قوية وحارسًا كبيرًا مثل ياسين بونو، إضافة إلى ظهيريْن مؤثرين مثل حكيمي ومزراوي.
ومن جهة أخرى، ستكون منطقة الوسط حاسمة للغاية. فإذا نجح المغرب في تقليل تأثير تشواميني ورابيو وكانتي، فقد يحد من قدرة فرنسا على إيصال الكرة بسرعة إلى مبابي. وفي المقابل، إذا حصلت فرنسا على مساحات خلف دفاع المغرب، فقد تصبح المباراة أكثر تعقيدًا على “أسود الأطلس”.
كذلك، سيكون دور عز الدين أوناحي مهمًا في نقل الكرة وكسر الضغط، خاصة بعد تألقه أمام كندا. كما أن حكيمي قد يمثل مفتاحًا هجوميًا مهمًا في الجهة اليمنى، إذا نجح المغرب في استغلال المساحات خلف الظهير الفرنسي.
تأثير المباراة على الحلم المغربي
بالنسبة للمغرب، تمثل المباراة فرصة للثأر الرياضي من خسارة الدوحة، لكنها في الوقت نفسه فرصة أكبر لتأكيد أن إنجاز 2022 لم يكن حدثًا عابرًا. فالوصول إلى نصف النهائي مرة أخرى، عبر بوابة فرنسا تحديدًا، سيكون رسالة قوية بأن الكرة المغربية أصبحت جزءًا ثابتًا من مشهد الكبار.
أما بالنسبة لفرنسا، فإن اللقاء يحمل اختبارًا جديدًا لقوة الجيل الحالي، خاصة أن المنتخب الفرنسي اعتاد المنافسة على المراحل النهائية في السنوات الأخيرة. ولذلك، لن يكون هدف “الديوك” مجرد الفوز، بل تأكيد الاستمرارية في أعلى مستوى عالمي.
قمة منتظرة بين الثأر والتأكيد
في النهاية، تبدو مواجهة المغرب وفرنسا واحدة من أقوى مباريات ربع نهائي كأس العالم 2026. فالمغرب يدخلها بروح الثأر ورد الاعتبار، وفرنسا تخوضها بعقلية البطل الذي يعرف كيف يحسم المواعيد الكبرى. وبين ذكريات الدوحة وطموحات النسخة الحالية، ينتظر العالم صدامًا كرويًا مثيرًا قد يكتب فصلًا جديدًا في تاريخ “أسود الأطلس”.
