
حجز منتخب إنجلترا بطاقة العبور إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، بعد فوز مثير وصعب على منتخب المكسيك بنتيجة 3-2، في المواجهة التي احتضنها ملعب “أزتيكا” الشهير في مدينة مكسيكو، ضمن منافسات دور الـ16 من البطولة.
وجاء الانتصار الإنجليزي في ليلة كروية مليئة بالإثارة والتقلبات، إذ تقدم منتخب “الأسود الثلاثة” بهدفين سريعين عن طريق جود بيلينغهام، قبل أن تعود المكسيك إلى أجواء اللقاء بهدف أول عن طريق خوليان كينيونيس. ومع ذلك، لم تتوقف الدراما عند هذا الحد، بعدما تلقى المنتخب الإنجليزي ضربة قوية بطرد مدافعه جاريل كوانساه في الشوط الثاني، ليكمل المباراة بعشرة لاعبين.
ورغم النقص العددي والضغط الجماهيري الكبير في ملعب أزتيكا، نجح القائد هاري كين في تسجيل الهدف الثالث من ركلة جزاء، قبل أن يقلص راؤول خيمينيز الفارق للمكسيك في الدقيقة 69، لتشتعل الدقائق الأخيرة بمحاولات مكسيكية متواصلة بحثًا عن التعادل. إلا أن الدفاع الإنجليزي وحارس مرماه نجحوا في الحفاظ على التقدم حتى صافرة النهاية.
بداية قوية من إنجلترا أمام ضغط المكسيك
دخل المنتخب المكسيكي المباراة مدعومًا بجماهيره الكبيرة، التي صنعت أجواء صاخبة داخل ملعب أزتيكا. ومنذ الدقائق الأولى، حاول أصحاب الأرض فرض إيقاع سريع والضغط على دفاع إنجلترا، خصوصًا من الأطراف، من أجل استغلال الحماس الجماهيري واللعب على عامل الأرض.
في المقابل، تعامل المنتخب الإنجليزي مع البداية بهدوء واضح، واعتمد على التنظيم الدفاعي والانتقال السريع نحو الهجوم. ورغم أن المكسيك حاولت تهديد المرمى في أكثر من مناسبة، فإن إنجلترا أظهرت شخصية قوية في وسط الملعب، خاصة عبر جود بيلينغهام، الذي تحرك بين الخطوط بذكاء كبير.
ومع مرور الوقت، بدأ منتخب إنجلترا يدخل أجواء المباراة بشكل أفضل. كما نجح في امتصاص الاندفاع المكسيكي، ثم نقل الخطورة إلى مرمى أصحاب الأرض عبر التمريرات السريعة خلف المدافعين. لذلك، لم يكن مفاجئًا أن تأتي لحظة التحول الأولى في الدقيقة 36.
بيلينغهام يخطف الأضواء بثنائية سريعة
عند الدقيقة 36، افتتح جود بيلينغهام التسجيل لمنتخب إنجلترا، بعدما استغل تحركًا هجوميًا منظمًا وأنهى الهجمة بطريقة مميزة داخل الشباك المكسيكية. هذا الهدف منح المنتخب الإنجليزي ثقة كبيرة، وفي الوقت نفسه وضع المكسيك تحت ضغط نفسي وفني واضح.

وبعد دقيقتين فقط، عاد بيلينغهام ليضرب من جديد، مسجلًا الهدف الثاني في الدقيقة 38، ليؤكد حضوره الكبير في واحدة من أهم مباريات إنجلترا بالبطولة. وجاءت الثنائية في توقيت حساس للغاية، لأنها منحت “الأسود الثلاثة” أفضلية واضحة قبل نهاية الشوط الأول.
ومع ذلك، لم يستسلم منتخب المكسيك. فقد رد سريعًا في الدقيقة 42 عن طريق خوليان كينيونيس، الذي نجح في تقليص الفارق وإعادة الأمل لأصحاب الأرض قبل الدخول إلى غرفة الملابس. وبالتالي، انتهى الشوط الأول بتقدم إنجلترا 2-1، لكن المباراة بقيت مفتوحة على كل الاحتمالات.
طرد كوانساه يشعل المواجهة
في الشوط الثاني، ازدادت المباراة صعوبة على المنتخب الإنجليزي، بعدما تعرض جاريل كوانساه للطرد في الدقيقة 54. وكانت هذه اللقطة نقطة تحول كبيرة، لأنها أجبرت إنجلترا على التراجع واللعب بحذر أكبر، بينما منحت المكسيك دفعة معنوية قوية لمواصلة الضغط.
بعد الطرد، حاول المنتخب المكسيكي استثمار النقص العددي بسرعة، فرفع نسق الهجوم واعتمد على إرسال الكرات العرضية والتحركات داخل منطقة الجزاء. علاوة على ذلك، ساعدت أجواء ملعب أزتيكا على زيادة الضغط على لاعبي إنجلترا، الذين وجدوا أنفسهم أمام اختبار بدني وذهني صعب.
لكن، وعلى عكس المتوقع، لم ينهار المنتخب الإنجليزي بعد الطرد. بل تعامل مع الموقف بروح قتالية عالية، وحافظ على تماسكه في المناطق الخلفية. ومن هجمة منظمة، حصلت إنجلترا على ركلة جزاء في الدقيقة 60، تقدم لها هاري كين بثقة وسجل منها الهدف الثالث.
هاري كين يمنح إنجلترا الأمان المؤقت
هدف هاري كين كان بالغ الأهمية، لأنه أعاد الفارق إلى هدفين ومنح المنتخب الإنجليزي مساحة من الهدوء في وقت كانت فيه المكسيك تضغط بقوة. كما أكد كين مجددًا قيمته القيادية داخل الملعب، حيث ظهر في اللحظة المناسبة وسجل هدفًا حاسمًا في مباراة إقصائية لا تقبل الأخطاء.
ومع ذلك، لم يدم الهدوء طويلًا. فقد حصل منتخب المكسيك على ركلة جزاء في الدقيقة 69، نفذها راؤول خيمينيز بنجاح، ليقلص النتيجة إلى 3-2. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من الإثارة، إذ تحولت الدقائق الأخيرة إلى صراع مباشر بين رغبة المكسيك في التعادل وقدرة إنجلترا على الصمود.
المكسيك تضغط وإنجلترا تصمد حتى النهاية
في آخر عشرين دقيقة، اندفع منتخب المكسيك بكل خطوطه نحو الهجوم. وصنع أصحاب الأرض أكثر من فرصة خطيرة، سواء عبر الكرات العرضية أو التسديدات من خارج منطقة الجزاء. كما حاول الجهاز الفني المكسيكي تنشيط الهجوم بتغييرات هجومية، بحثًا عن هدف يعيد المباراة إلى نقطة البداية.
في المقابل، تراجعت إنجلترا إلى مناطقها الدفاعية، واعتمدت على إغلاق المساحات أمام مفاتيح لعب المكسيك. ورغم الضغط الكبير، حافظ لاعبو المنتخب الإنجليزي على تركيزهم، وتعاملوا مع الكرات الخطيرة بجدية واضحة.
كذلك لعبت الخبرة دورًا مهمًا في الدقائق الأخيرة، حيث نجح منتخب إنجلترا في قتل إيقاع المباراة عند الحاجة، وتأخير اللعب بطريقة قانونية، بالإضافة إلى الاعتماد على التمريرات الطويلة لتخفيف الضغط. لذلك، تمكن “الأسود الثلاثة” من عبور واحدة من أصعب مبارياتهم في البطولة.
تحليل فني: شخصية إنجلترا تصنع الفارق
من الناحية الفنية، لم يكن فوز إنجلترا مجرد انتصار بالأهداف، بل كان اختبارًا حقيقيًا لشخصية الفريق. فقد بدأ المنتخب المباراة بشكل متوازن، ثم استغل فرصه بفعالية عالية عبر بيلينغهام، قبل أن يواجه ظرفًا معقدًا بعد الطرد.

الأهم أن إنجلترا أظهرت قدرة واضحة على التكيف مع مجريات اللقاء. ففي البداية لعبت بأسلوب هجومي مرن، ثم تحولت بعد النقص العددي إلى فريق أكثر تحفظًا وتنظيمًا. وهذا التحول يعكس نضجًا تكتيكيًا مهمًا، خاصة في مباريات الأدوار الإقصائية.
أما المكسيك، فقد قدمت مباراة قوية من حيث الحماس والضغط، لكنها دفعت ثمن الأخطاء الدفاعية في الشوط الأول. كما أن إضاعة بعض الفرص في الدقائق الأخيرة حرمتها من العودة، رغم أنها كانت قريبة من فرض التعادل والذهاب بالمباراة إلى وقت إضافي.
تأثير النتيجة على مشوار المنتخبين
هذا الفوز يمنح منتخب إنجلترا دفعة معنوية كبيرة قبل مواجهة النرويج في ربع النهائي. فالفريق لم يكتفِ بالتأهل، بل أثبت أنه قادر على الفوز تحت الضغط، حتى عندما يلعب منقوص العدد وأمام جماهير منافسة في ملعب تاريخي مثل أزتيكا.
وبالتالي، سيدخل المنتخب الإنجليزي مواجهة النرويج بثقة أكبر، لكنه في الوقت نفسه سيحتاج إلى معالجة بعض التفاصيل الدفاعية، خاصة أن استقبال هدفين وظهور بعض الثغرات في اللحظات الحاسمة قد يكونان مصدر قلق قبل مواجهة أقوى هجوميًا.
أما منتخب المكسيك، فقد انتهى مشواره في كأس العالم 2026 عند دور الـ16، رغم الدعم الجماهيري الكبير والطموحات العالية كأحد المنتخبات المضيفة. ومع ذلك، قدم الفريق مباراة قتالية، وخرج بعد سيناريو مثير كان يمكن أن يتغير في الدقائق الأخيرة.
إنجلترا أمام النرويج في ربع النهائي
بعد عبور عقبة المكسيك، يستعد منتخب إنجلترا لمواجهة منتخب النرويج في دور الثمانية على ملعب “هارد روك” في 11 يوليو الجاري. وستكون هذه المواجهة اختبارًا جديدًا لطموحات “الأسود الثلاثة”، خاصة أن النرويج وصلت إلى هذا الدور بثقة كبيرة بعد إقصاء البرازيل.
وفي النهاية، يمكن القول إن إنجلترا خرجت من ملعب أزتيكا بانتصار ثمين، ليس فقط لأنه منحها بطاقة التأهل، بل لأنه كشف عن معدن الفريق في لحظات الضغط. فالفوز على المكسيك بنتيجة 3-2، رغم الطرد والضغط الجماهيري، قد يكون من المباريات التي تمنح إنجلترا دفعة قوية في طريق البحث عن اللقب العالمي.
