
دخلت كرة القدم الفرنسية مرحلة جديدة بعدما أعلن الاتحاد الفرنسي رسميًا تعيين زين الدين زيدان مديرًا فنيًا للمنتخب الأول، خلفًا لديدييه ديشان، الذي أنهى مسيرة طويلة استمرت 14 عامًا على رأس الجهاز الفني لـ«الديوك».
ووقّع زيدان عقدًا لمدة أربعة أعوام، يبدأ رسميًا في الأول من أغسطس 2026 ويستمر حتى نهاية كأس العالم 2030، ليصبح المدرب الثامن عشر في تاريخ منتخب فرنسا منذ عام 1964. ويأتي القرار بعد سنوات من ارتباط اسم أسطورة ريال مدريد بالمهمة، خصوصًا أن المدرب الفرنسي لم يُخفِ في مناسبات سابقة رغبته في قيادة منتخب بلاده.
ويفتح التعيين فصلًا جديدًا في العلاقة التاريخية بين زيدان والقميص الفرنسي؛ إذ سبق له قيادة المنتخب داخل الملعب إلى التتويج بكأس العالم 1998 وكأس أوروبا 2000، قبل أن يصنع مسيرة تدريبية استثنائية مع ريال مدريد، حقق خلالها ثلاثة ألقاب متتالية في دوري أبطال أوروبا.
الاتحاد الفرنسي يعلن تعيين زيدان حتى 2030
حسمت اللجنة التنفيذية للاتحاد الفرنسي قرارها خلال اجتماع عقد صباح الثلاثاء 28 يوليو 2026، قبل الإعلان عن تعيين زيدان مديرًا فنيًا للمنتخب بعقد يمتد حتى كأس العالم 2030.
وأكد فيليب ديالو، رئيس الاتحاد الفرنسي، أن اختيار زيدان يجمع بين أحد أبرز رموز تاريخ المنتخب ومدرب ينتمي إلى أكثر الأسماء نجاحًا واحترامًا في جيله. كما أشار إلى أن مسيرته قامت على الموهبة والعمل والتواضع والسعي المستمر إلى التميز
أما زيدان، فعبّر عن سعادته وفخره بالحصول على المهمة، مؤكدًا أنه يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. كذلك وجّه التحية إلى ديشان وجهازه الفني بعد المرحلة الطويلة التي قادوها مع المنتخب، وأعلن امتلاكه طموحات كبيرة لإبقاء فرنسا ضمن دائرة المنافسة على أبرز البطولات. (FFF)
ومن المقرر أن يعلن المدرب الفرنسي تشكيل جهازه الفني في بداية سبتمبر، بعد الانتهاء من اختيار الأسماء التي ستساعده في المرحلة المقبلة.
حلم انتظره زيدان منذ رحيله عن ريال مدريد

كشف زيدان خلال تقديمه أنه أمضى السنوات الماضية في انتظار اليوم الذي يتولى فيه تدريب منتخب فرنسا، موضحًا أن قيادة «الديوك» كانت هدفه الأساسي منذ انتهاء تجربته الثانية مع ريال مدريد عام 2021.
وأشار المدرب الفرنسي إلى أنه تلقى فرصًا للعمل مع أندية مختلفة، لكنه لم يرغب في الدخول في مشروع يستمر لعامين أو ثلاثة أعوام، لأنه كان ينتظر توفر منصب المدير الفني لمنتخب بلاده. وبعد إعلان ديشان في يناير 2025 رحيله عقب مونديال 2026، ازدادت رغبة زيدان في أن يكون خليفته، قبل الوصول إلى اتفاق مع رئيس الاتحاد الفرنسي في فبراير. (FFF)
وبالتالي، لا تمثل المهمة الجديدة عودة عادية إلى التدريب، بل تعد الخطوة التي خطط لها زيدان منذ سنوات. كما أنها تأتي بعد ابتعاده عن مقاعد البدلاء لنحو خمسة أعوام، وهي فترة تابع خلالها المنتخب الفرنسي ولاعبيه واستعد للفرصة التي وصفها بأنها حلم مهني كبير.
مسيرة تاريخية بقميص منتخب فرنسا
يحمل زيدان مكانة استثنائية في تاريخ الكرة الفرنسية، بعدما خاض 108 مباريات دولية وسجل 31 هدفًا بين عامي 1994 و2006.
وشارك النجم السابق في ثلاث نسخ من كأس العالم وثلاث بطولات أوروبية، وكان صاحب التأثير الأكبر في تتويج فرنسا بأول لقب عالمي عام 1998، عندما سجل هدفين أمام البرازيل في المباراة النهائية التي انتهت بانتصار المنتخب الفرنسي بثلاثية نظيفة
وبعد عامين، واصل زيدان قيادة الجيل الذهبي الفرنسي نحو التتويج بكأس أوروبا 2000، ليجمع المنتخب بين اللقبين العالمي والقاري.

كما عاد من اعتزاله الدولي عام 2005 وساعد فرنسا على بلوغ نهائي كأس العالم 2006، قبل أن تنتهي مسيرته لاعبًا في المباراة النهائية أمام إيطاليا. وعلى الرغم من النهاية الصعبة، بقي زيدان أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في تاريخ المنتخب بفضل موهبته وقيادته وقدرته على الظهور في المباريات الكبرى. (FFF)
نجاح استثنائي على مقاعد ريال مدريد
لم تعتمد ثقة الاتحاد الفرنسي بزيدان على تاريخه لاعبًا فقط، بل جاءت أيضًا نتيجة النجاحات الكبيرة التي حققها خلال تجربته التدريبية مع ريال مدريد.
وبدأ زيدان مسيرته داخل النادي الإسباني في أدوار إدارية وفنية مختلفة، قبل قيادة فريق كاستيا، ثم تولي تدريب الفريق الأول في يناير 2016.
وخلال فترتين تدريبيتين مع ريال مدريد، حقق زيدان 11 بطولة، تضمنت ثلاثة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، ولقبين للدوري الإسباني، ولقبين لكأس العالم للأندية، ولقبين للسوبر الأوروبي، ولقبين للسوبر الإسباني. (ريال مدريد)
كما أصبح أول مدرب يحقق دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية بالنظام الحديث، بعدما قاد ريال مدريد إلى التتويج في أعوام 2016 و2017 و2018. ويضعه هذا الإنجاز ضمن قائمة أكثر المدربين تتويجًا بالبطولة القارية. (UEFA.com)
وتميزت تجربته بقدرته على إدارة غرفة ملابس تضم أسماء عالمية بارزة، إلى جانب نجاحه في التعامل مع الضغوط المرتفعة وتحقيق الانتصارات في المواعيد الحاسمة، وهي جوانب يحتاج إليها أي مدرب يتولى مسؤولية منتخب بحجم فرنسا.
زيدان يرفض فكرة القطيعة مع مرحلة ديشان
أكد زيدان أن وصوله لن يمثل قطيعة كاملة مع العمل الذي أنجزه ديشان، بل سيكون امتدادًا لمسيرة منتخب اعتاد المنافسة على الألقاب.
وأوضح أن لكل مدرب شخصيته وأفكاره؛ فديشان يمتلك أسلوبه، وكذلك لوران بلان، بينما سيقدم زيدان رؤيته الخاصة دون التقليل من قيمة ما تحقق في المرحلة السابقة. كما شدد على أن الهدف الأساسي يتمثل في المحافظة على ثقافة الانتصارات وتطوير أداء الفريق. (FFF)

وتولى ديشان قيادة فرنسا منذ عام 2012، وحقق خلالها كأس العالم 2018 ودوري الأمم الأوروبية، إضافة إلى بلوغ نهائي كأس أوروبا 2016 ونهائي كأس العالم 2022، ما يجعل خلافته تحديًا كبيرًا أمام المدرب الجديد. (El País)
لذلك، سيكون زيدان مطالبًا بالموازنة بين الحفاظ على الاستقرار وإدخال أفكاره الفنية، دون إحداث تغييرات واسعة تؤثر في جاهزية المنتخب خلال بداية المرحلة الجديدة.
أول اختبارات زيدان في دوري الأمم الأوروبية
يبدأ زيدان مهامه الرسمية في الأول من أغسطس، بينما يخوض أول معسكر له خلال سبتمبر ضمن منافسات دوري الأمم الأوروبية 2026-2027.
ويستهل المنتخب الفرنسي مشواره تحت قيادته بمواجهة تركيا خارج أرضه في 25 سبتمبر، ثم يلتقي بلجيكا في 28 سبتمبر. بعد ذلك، يخوض زيدان أول مباراة له على ملعب فرنسا أمام إيطاليا في الثاني من أكتوبر، قبل مواجهة بلجيكا مجددًا بعد ثلاثة أيام. (FFF)
وتضم مجموعة فرنسا كلًا من إيطاليا وبلجيكا وتركيا، ما يمنح المدرب الجديد اختبارات قوية منذ البداية، ويساعده في تقييم عناصر الفريق ومدى استيعاب اللاعبين لأفكاره.
وبعد دوري الأمم، ينتقل تركيز زيدان إلى تصفيات كأس أوروبا 2028، ثم النسخة التالية من دوري الأمم وتصفيات كأس العالم 2030.
تحليل فني: ماذا يمكن أن يضيف زيدان إلى فرنسا؟
فنيًا، يمتلك زيدان القدرة على تقديم منتخب أكثر مرونة عند الاستحواذ على الكرة، مستفيدًا من وجود مجموعة كبيرة من اللاعبين أصحاب المهارة والسرعة في الخطوط الأمامية.
وقد يعتمد المدرب الجديد على بناء الهجمات من الخلف، ومنح لاعبي الوسط حرية أكبر في التحرك، إلى جانب استخدام الأجنحة بصورة مباشرة لاستغلال المساحات خلف دفاع المنافس.
كما أن نجاحه السابق مع ريال مدريد ارتبط بالقدرة على تغيير طريقة اللعب وفق ظروف المباراة، إذ استخدم خططًا متعددة ولم يلتزم برسم تكتيكي واحد طوال الوقت.
ومن المنتظر أن يمنح زيدان القائد كيليان مبابي دورًا مركزيًا في مشروعه، إلى جانب الاستفادة من لاعبين مثل عثمان ديمبيلي ومايكل أوليس وبرادلي باركولا وديزيريه دوي. ويملك المنتخب الفرنسي وفرة كبيرة في المواهب الهجومية، لكن التحدي سيكون في تحقيق التوازن بين الإبداع والانضباط الدفاعي. (The Wall Street Journal)
كذلك، يتميز زيدان بقدرته على إدارة النجوم وبناء علاقة قوية معهم، وهي صفة ستكون ضرورية في منتخب يضم لاعبين يمثلون أكبر الأندية الأوروبية.

تأثير التعيين على المنتخب الفرنسي
يمنح تعيين زيدان المنتخب الفرنسي دفعة معنوية وإعلامية كبيرة، نظرًا إلى شعبيته الواسعة ومكانته لدى الجماهير واللاعبين.
كما يمكن أن يساعد حضوره على توحيد الأجواء المحيطة بالمنتخب بعد نهاية حقبة ديشان، لأن زيدان يمثل رمزًا يحظى بالاحترام داخل فرنسا وخارجها.
في المقابل، سترتفع التوقعات منذ المباراة الأولى، ولن يحصل المدرب الجديد على وقت طويل دون التعرض للتقييم والانتقادات. فالجماهير تنتظر منه تقديم كرة هجومية وتحقيق البطولات، خصوصًا بعد النجاحات التي صنعها لاعبًا ومدربًا.
أما بالنسبة إلى اللاعبين، فسيبدأ سباق جديد لإثبات الجدارة بالدخول ضمن اختيارات الجهاز الفني. وقد يمنح زيدان الفرصة لعدد من العناصر الشابة، بالتزامن مع المحافظة على أصحاب الخبرة القادرين على قيادة المجموعة.
فصل ثالث في قصة زيدان مع كرة القدم الفرنسية
بعدما صنع التاريخ لاعبًا مع منتخب فرنسا، ثم تحول إلى مدرب استثنائي مع ريال مدريد، يبدأ زيدان الآن الفصل الثالث من مسيرته، وهذه المرة من على مقاعد قيادة «الديوك».
وسيكون هدفه تحويل الجيل الفرنسي الحالي إلى فريق قادر على الجمع بين الأداء المميز والنتائج، والمنافسة على كأس أوروبا 2028 وكأس العالم 2030.
ولذلك، لا يمثل تعيينه مجرد تغيير في الجهاز الفني، بل عودة أحد أهم رموز الكرة الفرنسية إلى المنتخب من أجل كتابة مرحلة جديدة، تحمل طموحات كبيرة وانتظارات لا تقل عن حجم اسمه وتاريخه.
