
دخلت كرة القدم العالمية مرحلة جديدة من الصراع الإداري والاقتصادي، بعدما كشف الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» عن مشروع استثماري ضخم يهدف إلى إنشاء شركة تجارية تتولى إدارة وتسويق الحقوق المرتبطة ببطولاته، وفي مقدمتها كأس العالم للرجال والسيدات وكأس العالم للأندية.
وأثار المشروع معارضة أوروبية شديدة، وسط تقارير عن استعداد اتحادات وطنية لعقد اجتماع طارئ لمناقشة سبل التصعيد، بما في ذلك التلويح بعدم المشاركة في بطولات «فيفا» مستقبلًا. ومع ذلك، لم يصدر حتى الآن قرار أوروبي رسمي بالمقاطعة، ولا تزال الخطوة مطروحة بوصفها ورقة ضغط محتملة لمواجهة المشروع. (Reuters)
وتتمحور الأزمة حول رؤية «فيفا» الرامية إلى استقطاب مستثمرين من القطاع الخاص مقابل حصص أقلية في الشركة الجديدة، بينما يرى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تحويل أهم مسابقات اللعبة إلى أصول استثمارية تخضع بصورة متزايدة لمنطق الأرباح والمصالح التجارية.
ما مشروع «فيفا فوروارد إنتربرايز»؟
يحمل المشروع الجديد اسم «FIFA Forward Enterprise»، أو «فيفا فوروارد إنتربرايز»، وهو عبارة عن شركة تابعة يمتلكها الاتحاد الدولي ويتولى من خلالها تجميع عملياته التجارية والتنظيمية المتعلقة بالبطولات.
ومن المقرر أن تشمل أنشطة الشركة حقوق البث التلفزيوني والرعاية والتذاكر والتراخيص التجارية، إلى جانب الجوانب التشغيلية للبطولات التي ينظمها «فيفا» في كرة القدم للرجال والسيدات والفئات السنية.
ويخطط الاتحاد الدولي لجمع ما يصل إلى 4.2 مليار دولار عبر بيع حصص أقلية غير مسيطرة إلى مستثمرين طويلَي الأجل، استنادًا إلى تقييم أولي للشركة يبلغ نحو 20 مليار دولار. ويؤكد «فيفا» أنه سيحتفظ بالملكية الأغلبية والسيطرة الكاملة على الشركة والقرارات الرياضية والتنظيمية. (Inside FIFA)
ولا يزال المشروع في مرحلة المشاورات، إذ يحتاج إلى دعم أغلبية الاتحادات الوطنية الأعضاء، البالغ عددها 211 اتحادًا، إضافة إلى الحصول على الموافقات ذات الصلة من مجلس «فيفا» قبل دخوله مرحلة التنفيذ. (Inside FIFA)
لماذا يواجه المشروع معارضة أوروبية؟
ترى الأوساط الأوروبية المعارضة أن بيع جزء من الكيان التجاري المسؤول عن تسويق البطولات قد يفتح الباب أمام تأثير المستثمرين في القرارات المستقبلية، حتى مع تأكيد «فيفا» أن الحصص المطروحة ستكون غير مسيطرة.
وتخشى اتحادات أوروبية أن يؤدي دخول رأس المال الخاص إلى زيادة الضغوط لتوسيع البطولات أو رفع عدد المباريات أو استحداث مسابقات جديدة، بهدف زيادة الإيرادات والعوائد الاستثمارية.
وقد ينعكس ذلك على الروزنامة الدولية، التي تعاني أصلًا من ازدحام كبير، ويزيد التوتر بين بطولات المنتخبات ومسابقات الأندية المحلية والقارية.

كما اعترض «يويفا» على طريقة طرح المشروع وغياب المشاورات الواسعة قبل الإعلان عنه، معتبرًا أن القرارات التي تمس مستقبل كأس العالم والحقوق المرتبطة بها يجب ألا تُتخذ دون إشراك جميع الأطراف المؤثرة في اللعبة. (Reuters)
هل قررت أوروبا مقاطعة كأس العالم؟
لم تتخذ الاتحادات الأوروبية قرارًا رسميًا بالمقاطعة حتى الآن. إلا أن تقارير بريطانية ودولية تحدثت عن مناقشة هذا الخيار بوصفه وسيلة ضغط إذا مضى «فيفا» قدمًا في تنفيذ المشروع دون تقديم ضمانات كافية بشأن الحوكمة واستقلال القرارات الرياضية.
ومن المنتظر أن تبحث الاتحادات الأوروبية خلال اجتماعاتها موقفًا موحدًا، إضافة إلى دراسة الخيارات القانونية والتنظيمية المتاحة أمام «يويفا».
لذلك، يجب التفريق بين التلويح بالمقاطعة وبين إعلانها رسميًا. فالمطروح حاليًا يمثل سيناريو تصعيديًا محتملًا، وليس قرارًا نهائيًا بالانسحاب من كأس العالم أو أي بطولة أخرى. (Talksport)
كما أن تنفيذ المقاطعة، حال الوصول إليها، يتطلب توافقًا واسعًا بين الاتحادات الكبرى والمنتخبات والحكومات والجهات التجارية، بالنظر إلى التأثير الرياضي والمالي والقانوني الهائل الذي قد يترتب عليها.
«فيفا» يدافع عن خطته الاستثمارية
يؤكد الاتحاد الدولي أن المشروع لا يعني بيع كأس العالم أو التخلي عن ملكية البطولات، بل يهدف إلى استثمار القيمة التجارية الكبيرة لكرة القدم وتوجيه عوائدها نحو تطوير اللعبة عالميًا.
ووفق خطة «فيفا»، سيحتفظ الاتحاد بالسلطة الحصرية في كل ما يتعلق بالحوكمة، وتنظيم البطولات، والروزنامة الدولية، والقوانين، والقرارات الرياضية، بينما يقتصر دور المستثمرين على امتلاك حصص مالية غير مسيطرة في الشركة الجديدة. (Inside FIFA)
كما يرى جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي، أن الفوارق المالية بين مناطق العالم لا تزال كبيرة، وأن المشروع يستطيع توفير موارد إضافية للبنية التحتية والمنتخبات الوطنية والمسابقات المحلية وكرة القدم النسائية والناشئين.

ويشدد «فيفا» على أن صافي المنافع الناتجة عن الشركة سيعاد استثماره في كرة القدم، بدل توزيعه خارج المنظومة الرياضية. (Inside FIFA)
أكثر من 10 مليارات دولار لتطوير كرة القدم
يربط «فيفا» مشروعه بخطة تستهدف توفير أكثر من 10 مليارات دولار لدعم تطوير كرة القدم خلال الدورات المالية المقبلة.
ووفق التصور المعلن، يمكن لكل اتحاد وطني الحصول على تمويل أساسي يبلغ 20 مليون دولار خلال دورة 2027–2030، بدلًا من ثمانية ملايين دولار، ثم يرتفع التمويل إلى 22 مليونًا خلال دورة 2031–2034، و24 مليونًا بين عامي 2035 و2038.
كما تتضمن الخطة إمكانية حصول الاتحادات الراغبة على تمويل استثنائي لمرة واحدة يصل إلى 20 مليون دولار لتنفيذ مشاريع كبرى، بشرط اعتماد المشروع واستكمال آلياته. (Inside FIFA)
وتشكل هذه المبالغ عنصرًا مهمًا في محاولة «فيفا» إقناع أعضائه بالموافقة؛ إذ قد ترى الاتحادات الصغيرة والمتوسطة أن المشروع يوفر لها فرصًا لتطوير الملاعب والأكاديميات والمسابقات بصورة لم تكن ممكنة من قبل.
من يقود الجانب المالي للمشروع؟
يعمل بنك «جي بي مورغان» مستشارًا ماليًا للخطة، فيما أشارت تقارير دولية إلى دور مرتقب لشركة استثمارية مرتبطة برجل الأعمال الأميركي جوشوا كوشنر في استقطاب المستثمرين المحتملين.
وتعد هوية المستثمرين وآلية اختيارهم وحقوقهم المستقبلية من أكثر النقاط إثارة للجدل، لأن المعارضين يريدون ضمانات واضحة تمنع أي تأثير غير مباشر في القرارات الرياضية أو توجهات البطولات.
وفي المقابل، يقول «فيفا» إن المستثمرين سيحصلون على حصص أقلية فقط، ولن تكون لهم صلاحيات تشغيلية أو تنظيمية داخل كرة القدم. (Reuters)
تحليل: الصراع يتجاوز الأموال

لا تتعلق الأزمة بالمبالغ المالية وحدها، بل تعكس صراعًا أوسع حول الجهة التي تمتلك سلطة تحديد مستقبل كرة القدم العالمية.
فمن ناحية، يريد «فيفا» توسيع موارده واستثمار جماهيرية بطولاته لزيادة التمويل المقدم إلى الاتحادات في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية والكونكاكاف وأوقيانوسيا.
ومن ناحية أخرى، يخشى «يويفا» أن تؤدي الشركة الجديدة إلى تعزيز نفوذ الاتحاد الدولي تجاريًا وتنظيميًا، وإضعاف مكانة المسابقات الأوروبية أو الضغط على روزنامتها.
كما تمثل الخطوة اختبارًا لمفهوم الملكية داخل كرة القدم: هل يمكن التعامل مع الحقوق التجارية لكأس العالم باعتبارها أصلًا يمكن للمستثمرين شراء حصص فيه، أم أن البطولة تمثل إرثًا عامًا يجب أن يبقى بالكامل تحت إدارة المؤسسات الرياضية؟
وبالتالي، فإن الخلاف يدور بين رؤيتين؛ رؤية تعتبر الاستثمار الخاص أداة لتوسيع الموارد وتوزيعها، وأخرى تخشى تحوّل المستثمر من شريك مالي محدود إلى طرف يطالب لاحقًا بزيادة البطولات والمباريات والإيرادات.
كيف قد يتأثر كأس العالم؟
على المدى القريب، لا يتوقع أن يتغير نظام كأس العالم بمجرد تأسيس الشركة، لأن «فيفا» يؤكد أن القرارات الرياضية ستظل منفصلة عن المستثمرين.
لكن المعارضة الأوروبية تركز على التأثير طويل المدى؛ إذ إن المستثمر الذي يدفع مليارات الدولارات قد يسعى بطبيعة الحال إلى تعظيم قيمة استثماره، وهو ما يمكن أن يخلق مطالب تجارية بزيادة عدد المباريات أو إقامة البطولات بصورة أكثر تكرارًا.
وقد تؤدي هذه الضغوط إلى صدامات إضافية بشأن راحة اللاعبين، وجدول الأندية، وفترات التوقف الدولي، وتوزيع الإيرادات بين «فيفا» والاتحادات القارية والدوريات.
لذلك، ستكون صياغة عقد تأسيس الشركة وحدود صلاحيات المساهمين من العناصر الحاسمة في تقييم المشروع، وليس مجرد نسبة الحصة التي سيبيعها الاتحاد الدولي.

تأثير الأزمة على اللاعبين والأندية
قد تبدو الأزمة في ظاهرها إدارية، لكنها يمكن أن تنعكس مباشرة على الأندية واللاعبين إذا أدت إلى توسيع البطولات أو زيادة عدد المباريات الدولية.
فاللاعبون يواجهون بالفعل مواسم مزدحمة تشمل بطولات محلية وقارية ودولية، بينما تحذر النقابات والأندية باستمرار من الإصابات والإجهاد الناتج عن ضغط المباريات.
كذلك، قد تنشأ خلافات جديدة بين الأندية والمنتخبات حول إتاحة اللاعبين، خاصة إذا أصبح تطوير البطولات وزيادة عوائدها هدفًا رئيسيًا للشركة الجديدة.
وفي المقابل، يمكن أن تستفيد اتحادات كثيرة من الموارد الإضافية في بناء منشآت أفضل، وتحسين الطب الرياضي، وتطوير مسابقات الشباب والسيدات، وهو الجانب الذي يعتمد عليه «فيفا» في الدفاع عن المشروع.
ماذا يحدث خلال المرحلة المقبلة؟
سيواصل «فيفا» مشاوراته مع الاتحادات الوطنية ومجلسه قبل عرض الخطة على مسار الاعتماد الرسمي، بينما تسعى أوروبا إلى بناء موقف موحد ودراسة الخيارات القانونية والسياسية.
وقد تقود الضغوط إلى تعديل المشروع، سواء عبر خفض نسبة الأسهم المطروحة، أو تشديد القيود المفروضة على المستثمرين، أو إنشاء آليات مستقلة لمراقبة الحوكمة وتضارب المصالح.
أما السيناريو الأكثر تصعيدًا، فيتمثل في تحول التلويح الأوروبي إلى تهديد رسمي بمقاطعة بطولات «فيفا». لكنه يظل حتى الآن احتمالًا مطروحًا في التقارير، وليس قرارًا معتمدًا.
ومهما كانت النتيجة، فقد كشفت الأزمة أن مستقبل كرة القدم لن يتحدد داخل الملاعب فقط، بل في غرف الاجتماعات التي تناقش ملكية الحقوق، وتوزيع الأموال، وحدود نفوذ المستثمرين في الرياضة الأكثر شعبية عالميًا.
