
دخل مستقبل رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم مرحلة جديدة من الغموض، بعد تصاعد الضغوط على السويسري جياني إنفانتينو على خلفية مشروعه المثير للجدل لفتح جزء من الحقوق التجارية لبطولات «فيفا» أمام مستثمرين من القطاع الخاص.
وأدى الاعتراض الواسع على المشروع، ثم تراجع «فيفا» عنه، إلى ظهور أسماء محتملة لخلافة إنفانتينو في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، يتقدمها البحريني الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.
كما طُرح اسم القطري ناصر الخليفي، رئيس باريس سان جيرمان ورابطة الأندية الأوروبية، بوصفه شخصية قادرة على الحصول على دعم أوروبي واسع. غير أن متحدثًا باسمه نفى وجود أي رغبة لديه في خوض الانتخابات، ما يعني أن الحديث عن ترشحه ما زال ضمن التكهنات الإعلامية، وليس إعلانًا رسميًا.
مشروع استثماري يشعل الأزمة داخل «فيفا»
بدأت الأزمة عندما طرح إنفانتينو فكرة تأسيس كيان تجاري جديد يتولى إدارة الأنشطة التجارية والحقوق المرتبطة بعدد من بطولات «فيفا»، وفي مقدمتها كأس العالم.
وكان المشروع المقترح يتضمن تأسيس شركة تُقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، مع إمكانية بيع حصة تصل إلى 20 في المائة منها لمستثمرين من القطاع الخاص، وجمع ما يقارب 4.2 مليار دولار.
ودافع إنفانتينو عن الفكرة باعتبارها فرصة لزيادة المبالغ الموجهة إلى تطوير كرة القدم، موضحًا أن تنفيذها كان سيظل مشروطًا بموافقة أغلبية الاتحادات الوطنية ومجلس «فيفا». إلا أن طريقة الإعلان عن المشروع وغياب التشاور المسبق أثارا معارضة قوية من الاتحادات القارية.
وأعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم رفضه المشروع، قبل أن ينضم إليه اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف» والاتحاد الآسيوي، وسط مطالبات بمزيد من الشفافية واحترام هياكل الحوكمة المعتمدة في كرة القدم العالمية.
إنفانتينو يتراجع.. لكن الأزمة لا تنتهي
أمام اتساع دائرة الرفض، قرر إنفانتينو سحب المشروع، مؤكدًا أن الانقسامات التي تسبب بها لم تعد تخدم الهدف الذي طُرح من أجله.
لكن التراجع لم يكن كافيًا لإنهاء الأزمة، إذ أعلن «يويفا» أن قيادة «فيفا» فقدت ثقته وثقة أطراف أخرى داخل أسرة كرة القدم، مشددًا على أن مهمة استعادة الثقة لم تبدأ إلا بعد إلغاء الخطة. (Reuters)
كما صدرت انتقادات من اتحادات وطنية أوروبية ومسؤولين رياضيين طالبوا بإصلاحات أوسع في أسلوب اتخاذ القرارات داخل الاتحاد الدولي.
وبذلك، تحول النقاش من مستقبل المشروع التجاري إلى مستقبل إنفانتينو نفسه، الذي أعلن في أبريل 2026 عزمه الترشح لولاية جديدة خلال انتخابات 2027. وكان طريقه نحو التجديد يبدو مفتوحًا قبل الأزمة الأخيرة، لكن المعارضة المتصاعدة قد تدفع منافسين إلى دخول السباق.
آل خليفة يعود إلى واجهة انتخابات «فيفا»
يعد الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة أحد أبرز الأسماء التي يمكن أن تمثل تحديًا حقيقيًا لإنفانتينو، بالنظر إلى خبرته الطويلة في إدارة الاتحاد الآسيوي وعلاقاته مع الاتحادات الوطنية داخل أكبر قارات العالم.

ويتولى المسؤول البحريني رئاسة الاتحاد الآسيوي منذ عام 2013، كما خاض انتخابات رئاسة «فيفا» عام 2016، وحل ثانيًا خلف إنفانتينو بعد حصوله على 88 صوتًا مقابل 115 صوتًا للرئيس الحالي.
ومنذ توليه قيادة الاتحاد الآسيوي، شهدت مسابقات القارة إعادة هيكلة شملت إطلاق دوري أبطال آسيا للنخبة ودوري أبطال آسيا الثاني ودوري التحدي، إلى جانب توسيع كأس آسيا وتطوير منافسات كرة القدم النسائية.
وتمنحه تجربته الانتخابية السابقة معرفة دقيقة بخريطة التحالفات داخل الاتحاد الدولي، فضلًا عن قدرته على مخاطبة الاتحادات الآسيوية والإفريقية والعربية التي تمثل كتلة تصويتية مؤثرة.
انتقاد حاد لطريقة إدارة إنفانتينو
برز اسم آل خليفة بقوة خلال الأزمة بعدما انتقد عدم تشاور «فيفا» مع الاتحاد الآسيوي قبل الإعلان عن مشروع الاستثمار.
ووصف رئيس الاتحاد الآسيوي تجاهل الاتحادات القارية في مسألة بهذا الحجم بأنه أمر غير مقبول، محذرًا من أن الإجراءات المنفردة قد تقوض المبادئ التي تقوم عليها كرة القدم القارية، وفي مقدمتها التعاون والتضامن والشفافية.
وبعد تراجع «فيفا»، رحب آل خليفة بسحب الخطة، لكنه أكد ضرورة عرض أي مشروع مستقبلي يمس كرة القدم العالمية على الاتحادات القارية ومجلس «فيفا» والاتحادات الوطنية في الوقت المناسب، ومن خلال حوار شفاف وفعال. (الاتحاد الآسيوي لكرة القدم)
ومن الناحية السياسية، جعل هذا الموقف رئيس الاتحاد الآسيوي في قلب المعسكر المطالب بتغيير طريقة إدارة المؤسسة الدولية، حتى دون إعلانه حتى الآن الترشح رسميًا.
الخليفي يرفض الدخول في سباق الرئاسة
طُرح اسم ناصر الخليفي بقوة في وسائل الإعلام الأوروبية، استنادًا إلى نفوذه المتزايد داخل مؤسسات كرة القدم في القارة.

ويتولى الخليفي رئاسة باريس سان جيرمان، كما يرأس رابطة الأندية الأوروبية، ويمثلها داخل اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عضويته في مجلس «فيفا». وتمثل الرابطة التي يقودها أكثر من 800 نادٍ للرجال والسيدات بمختلف مستويات الكرة الأوروبية. (باريس سان جيرمان)
وكانت بعض التقارير ترى أنه يستطيع الحصول على دعم عدد من الاتحادات الأوروبية، خصوصًا بعد دوره في مواجهة مشروع دوري السوبر الأوروبي وتقوية علاقة رابطة الأندية بـ«يويفا».
لكن متحدثًا رسميًا باسمه حسم موقفه بالقول إنه لا يملك «طموحًا أو نية أو اهتمامًا» بمنصب رئيس «فيفا»، وإنه سيواصل دعم المؤسسات الكروية العالمية والأوروبية من خلال أدواره الحالية. (Goal)
وعليه، فإن وصف الخليفي بأنه مرشح لخلافة إنفانتينو يحتاج إلى الدقة؛ فهو اسم طُرح إعلاميًا بوصفه خليفة محتملًا، لكنه نفى رغبته في الترشح حتى الآن.
أسماء أخرى تدخل دائرة الاحتمالات
لا يقتصر النقاش على آل خليفة والخليفي، إذ طُرحت أسماء أخرى يمكنها دخول الانتخابات إذا استمرت أزمة الثقة في قيادة إنفانتينو.
ومن أبرز هذه الأسماء الكندي فيكتور مونتاغلياني، رئيس اتحاد «كونكاكاف»، الذي يمتلك خبرة في إدارة الاتحادات الوطنية وتنظيم البطولات الكبرى، ولعب دورًا مهمًا في ملف استضافة كأس العالم 2026.
كما يظهر اسم السويدي ماتياس غرافستروم، الأمين العام لـ«فيفا»، بصفته أحد أكثر المسؤولين نفوذًا داخل الهيكل الإداري للاتحاد الدولي، وإن كان قربه من إنفانتينو قد يقلل قدرته على تقديم نفسه بوصفه مرشحًا للتغيير. (الشرق الأوسط)
وقد تظهر أسماء جديدة من داخل أوروبا خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا قرر «يويفا» دعم مرشح واحد قادر على جمع أصوات من خارج القارة ومنافسة إنفانتينو بصورة حقيقية.
كيف تجري انتخابات رئاسة «فيفا»؟
تُحسم رئاسة الاتحاد الدولي عن طريق تصويت الاتحادات الوطنية الأعضاء، إذ يمتلك كل اتحاد صوتًا واحدًا بصرف النظر عن حجمه أو قوته الكروية.
ويعني ذلك أن حسم الانتخابات لا يعتمد على دعم أوروبا أو آسيا وحدهما، بل يحتاج إلى تحالفات تمتد إلى إفريقيا وأميركا الجنوبية و«كونكاكاف» وأوقيانوسيا.
ومن المقرر إقامة المؤتمر الانتخابي في المغرب خلال مارس 2027، فيما يحل 18 نوفمبر 2026 موعدًا نهائيًا لتقديم طلبات الترشح رسميًا. ويحتاج كل مرشح إلى دعم خمسة اتحادات وطنية على الأقل للدخول في السباق.

ولذلك، ستشكل الأشهر المقبلة فترة حاسمة لبناء التحالفات ومعرفة ما إذا كانت الانتقادات الحالية ستتحول إلى منافسة انتخابية فعلية، أم أن إنفانتينو سيحتفظ بدعم أغلبية الاتحادات رغم الأزمة.
تحليل: هل يستطيع آل خليفة إزاحة إنفانتينو؟
يمتلك الشيخ سلمان مجموعة من العوامل التي تجعله منافسًا محتملًا قويًا، في مقدمتها خبرته السابقة في انتخابات 2016، واستمراره لسنوات على رأس الاتحاد الآسيوي، وعلاقاته مع عدد كبير من الاتحادات الوطنية.
كما أن موقفه المعارض للمشروع الاستثماري يمنحه فرصة لتقديم نفسه بوصفه مرشحًا للحوكمة والتشاور، في وقت أصبحت فيه الشفافية وطريقة اتخاذ القرارات محور النقاش داخل «فيفا».
لكن التحدي الأكبر سيكون الحصول على دعم أوروبي موحد، إلى جانب بناء تحالفات قوية في إفريقيا وأميركا الجنوبية. فالأصوات الآسيوية وحدها لن تكون كافية للوصول إلى الرئاسة.
أما إنفانتينو، فما زال يمتلك شبكة واسعة من المؤيدين، خصوصًا بين الاتحادات التي استفادت من برامج التطوير والتمويل خلال فترة رئاسته. ولذلك، لا تعني خسارته ثقة «يويفا» سقوطه تلقائيًا، بل ستكون المعركة مرتبطة بقدرته على الاحتفاظ بدعم بقية القارات.
تأثير الأزمة على مستقبل الاتحاد الدولي
قد تكون النتيجة الأهم للأزمة الحالية هي فرض رقابة أكبر على القرارات التجارية داخل «فيفا»، بغض النظر عن اسم الرئيس المقبل.
فالاتحادات القارية أظهرت أنها تستطيع إيقاف مشروع كبير عندما تتحرك بصورة جماعية، كما أن سحب الخطة أكد أن قيادة الاتحاد الدولي لم تعد قادرة على تمرير تغييرات جوهرية دون تشاور واسع.
وإذا دخل آل خليفة أو أي مرشح قوي إلى الانتخابات، فستتحول انتخابات 2027 من عملية محسومة إلى مواجهة بين رؤيتين: الأولى تدافع عن استمرار مشروع إنفانتينو، والثانية ترفع شعار إعادة بناء الثقة وإصلاح الحوكمة.
وحتى الآن، يبقى إنفانتينو في منصبه ومرشحًا معلنًا لولاية جديدة، فيما يظل آل خليفة اسمًا محتملًا لم يعلن دخوله رسميًا، بينما أغلق الخليفي باب التكهنات بنفي رغبته في الترشح.










