
كتب العداء البريطاني جوش كير فصلًا جديدًا في تاريخ ألعاب القوى، بعدما حطم الرقم القياسي العالمي لسباق الميل، الذي ظل صامدًا لمدة 27 عامًا باسم الأسطورة المغربية هشام الكروج، وذلك خلال منافسات ملتقى لندن ضمن الدوري الماسي.
وأنهى كير السباق في زمن قدره 3 دقائق و42.66 ثانية، متفوقًا بفارق 0.47 ثانية على رقم الكروج السابق البالغ 3 دقائق و43.13 ثانية، والمسجل منذ يوليو 1999. وبذلك، أسدل العداء الإسكتلندي الستار على أحد أشهر الأرقام القياسية وأكثرها صمودًا في سباقات المسافات المتوسطة. (worldathletics.org)
وجاء الإنجاز أمام نحو 60 ألف متفرج احتشدوا في استاد لندن، حيث نجح كير في تنفيذ خطته بصورة مثالية، قبل أن يرفع سرعته خلال اللفة الأخيرة ويعبر خط النهاية وسط احتفالات كبيرة من الجماهير البريطانية. (Reuters)
كير يحول «مشروع 222» إلى رقم عالمي
لم يكن تحطيم الرقم القياسي مفاجأة عابرة بالنسبة إلى جوش كير، إذ أعلن منذ مارس الماضي استهدافه المباشر لرقم هشام الكروج، وأطلق على تحضيراته اسم «مشروع 222»، في إشارة إلى رغبته في إنهاء السباق خلال 222 ثانية، أي أقل من 3 دقائق و43 ثانية.
وركز العداء البريطاني موسمه بالكامل على محاولة تحطيم الرقم في لندن، كما بنى برنامجه التدريبي والذهني حول الزمن المستهدف. ولذلك، دخل السباق وهو يعرف الإيقاع المطلوب في كل مرحلة، بدلًا من التعامل معه بوصفه سباقًا عاديًا هدفه تحقيق الفوز فقط. (Reuters)
وكان كير قد أكد قبل السباق أن التحدي لا يرتبط بالقدرات البدنية وحدها، بل يتطلب استعدادًا ذهنيًا يسمح للعداء بمواجهة رقم تاريخي ظل بعيدًا عن الجميع طوال أكثر من ربع قرن. كما أوضح أنه يريد الوصول إلى آخر 400 متر بأكبر قدر ممكن من الهدوء، قبل إطلاق سرعته في المرحلة الحاسمة. (London)
وبالفعل، تحولت الخطة إلى واقع، حيث نجح صاحب الـ28 عامًا في النزول تحت حاجز 223 ثانية، وأصبح صاحب أسرع زمن في تاريخ سباق الميل.
كيف حسم جوش كير السباق التاريخي؟
انطلق السباق بإيقاع مرتفع بمساعدة عدائين متخصصين في ضبط السرعة، وكان من بينهم برانون كيدر، شريك كير في التدريبات، الذي تولى دورًا مهمًا في قيادة المجموعة خلال المراحل الأولى.

وبعد انسحاب عدائي ضبط السرعة عقب تجاوز نحو كيلومتر، أصبح كير مسؤولًا عن المحافظة على الإيقاع المطلوب. وعلى الرغم من ظهوره قريبًا من الزمن المستهدف عند حاجز 1200 متر، فإنه احتفظ بطاقة كافية لرفع سرعته بصورة واضحة خلال اللفة الأخيرة. (worldathletics.org)
وحاول الأمريكي يارد نوجوس البقاء قريبًا منه، إلا أن كير وسع الفارق في الأمتار الأخيرة، قبل أن يعبر خط النهاية مسجلًا 3:42.66، بينما حل نوجوس ثانيًا بفارق تجاوز ثلاث ثوانٍ.
كما مر كير عند مسافة 1500 متر بزمن بلغ 3 دقائق و27.62 ثانية، وهو ما منحه رقمًا بريطانيًا جديدًا في هذه المسافة أيضًا، ليجمع بين رقمين بارزين خلال سباق واحد. (The Guardian)
نهاية رقم تاريخي باسم هشام الكروج
كان هشام الكروج قد سجل الرقم السابق في سباق الميل عام 1999، عندما قطع المسافة في 3:43.13، ليظل الرقم بعيدًا عن أبرز عدائي العالم طوال 27 عامًا.
واكتسب رقم الكروج قيمة تاريخية كبيرة بسبب طول فترة صموده، إضافة إلى المكانة التي يحظى بها العداء المغربي بوصفه أحد أعظم نجوم المسافات المتوسطة. كما أن كير كان يبلغ نحو عام واحد فقط عندما سجل الكروج الرقم العالمي السابق. (diamondleague.com)
وعلى الرغم من فقدان الرقم، تبقى إنجازات الكروج حاضرة في تاريخ ألعاب القوى، إذ ارتبط اسمه بعصر ذهبي في سباقات 1500 متر والميل، وظل رقمه أحد أصعب الأهداف التي حاول عدد من الأبطال الاقتراب منها دون نجاح.
وبالتالي، لا يقلل تحطيم الرقم من قيمة مسيرة البطل المغربي، بل يعكس مدى صعوبة الإنجاز الذي احتاج إلى 27 عامًا وعداء من الصف الأول وبرنامج تحضير مخصص لكسره.
كير يعيد الرقم العالمي إلى بريطانيا
أصبح جوش كير سابع عداء بريطاني يحمل الرقم القياسي العالمي لسباق الميل، كما بات أول بريطاني يحقق هذا الإنجاز منذ ستيف كرام عام 1985.
ويضع هذا الإنجاز كير ضمن سلسلة من أبرز نجوم المسافات المتوسطة في بريطانيا، ومن بينهم روجر بانيستر وسيباستيان كو وستيف أوفيت وستيف كرام.
وتحظى مسافة الميل بمكانة خاصة داخل ألعاب القوى البريطانية، بعد ارتباطها بلحظات تاريخية، أبرزها نجاح روجر بانيستر في كسر حاجز الأربع دقائق للمرة الأولى عام 1954.

لذلك، يحمل استعادة الرقم إلى بريطانيا بعد أكثر من أربعة عقود دلالة كبيرة بالنسبة إلى كير والجماهير التي حضرت السباق، خاصة أن الإنجاز تحقق على أرضه وأمام مدرجات مكتملة.
من هو جوش كير؟
يُعد جوش كير أحد أبرز عدائي المسافات المتوسطة في جيله. وسبق له الفوز ببطولة العالم لسباق 1500 متر عام 2023، كما حقق ميداليتين أولمبيتين في المسافة ذاتها، إضافة إلى تتويجه ببطولة العالم داخل الصالات في سباق 3000 متر. (diamondleague.com)
وكان أفضل زمن شخصي سابق له في سباق الميل يبلغ 3:45.34، وسجله خلال ملتقى يوجين في مايو 2024، عندما حطم الرقم البريطاني الذي ظل مسجلًا باسم ستيف كرام لما يقارب 39 عامًا.
وبالتالي، نجح كير في تحسين رقمه الشخصي السابق بنحو ثلاث ثوانٍ خلال سباق لندن، وهو فارق كبير في سباقات النخبة للمسافات المتوسطة. ()
ويؤكد هذا التطور نجاح البرنامج الذي اتبعه خلال الفترة الماضية، خصوصًا أنه لم يدخل السباق لمجرد محاولة الاقتراب من الرقم، بل صمم موسمه بالكامل للوصول إلى أفضل حالة بدنية وذهنية في الموعد المحدد.
مكافأة مالية بعد الإنجاز العالمي
حصل جوش كير على مكافأة مالية بلغت 50 ألف دولار عقب تسجيل الرقم القياسي العالمي، إلى جانب تتويجه بلقب سباق إمسلي كار للميل، أحد السباقات التاريخية المعروفة في بريطانيا. (Reuters)
إلا أن القيمة الحقيقية للإنجاز تتجاوز المكافأة المالية، بعدما وضع العداء البريطاني اسمه في صدارة قائمة أسرع عدائي الميل عبر التاريخ.

كما نجح في تحقيق هدف أعلنه علنًا قبل عدة أشهر، وهو ما ضاعف الضغوط المفروضة عليه، لأن أي تراجع في السباق كان سيجعل محاولته محل تقييم واسع. ومع ذلك، تعامل مع التحدي بثبات وحافظ على التركيز حتى اللحظات الأخيرة.
تحليل فني: اللفة الأخيرة صنعت الفارق
فنيًا، تمثل النقطة الأبرز في سباق كير قدرته على المحافظة على طاقته حتى آخر 400 متر، رغم السرعة المرتفعة منذ البداية.
ففي محاولات تحطيم الأرقام، قد يدفع الحماس العداء إلى استهلاك طاقته خلال النصف الأول من السباق، قبل أن يتراجع بصورة كبيرة في المرحلة النهائية. لكن كير التزم بالإيقاع المحدد خلف عدائي ضبط السرعة، ثم بدأ التحرك بمفرده بعد انسحابهم.
كما أن قدرته على التسارع في الأمتار الأخيرة تشير إلى أن توزيع الجهد كان دقيقًا للغاية. وقد ساعده وجود الإضاءة المخصصة لتحديد إيقاع الرقم القياسي على معرفة موقعه مقارنة بزمن الكروج، لكنه ظل مطالبًا بالتنفيذ البدني الصحيح وعدم السماح للضغط الجماهيري بإفساد خطته. (The Guardian)
وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار السباق نموذجًا متكاملًا للجمع بين التخطيط العلمي والجاهزية الذهنية والتنفيذ التكتيكي.
تأثير الرقم الجديد على ألعاب القوى
من المنتظر أن يمنح رقم جوش كير سباقات الميل اهتمامًا عالميًا أكبر خلال المرحلة المقبلة، لأن تحطيم رقم ظل صامدًا 27 عامًا يفتح الباب أمام جيل جديد لمحاولة الاقتراب من حاجز 3 دقائق و42 ثانية.
كما قد يرفع الإنجاز حدة المنافسة بين كير وعدد من أبرز عدائي المسافات المتوسطة، وفي مقدمتهم يارد نوجوس والنرويجي ياكوب إنغبريغتسن، خاصة أن السنوات الأخيرة شهدت تحسنًا واضحًا في نتائج سباقات 1500 متر والميل.
ومن ناحية أخرى، يعزز الرقم مكانة كير قبل الاستحقاقات الدولية المقبلة، ويمنحه ثقة كبيرة في قدرته على التعامل مع أصعب التحديات.
وفي المقابل، سيتحول العداء البريطاني من مطارد للرقم إلى هدف يسعى المنافسون لإسقاطه، وهو ما يفرض عليه المحافظة على مستواه وتطويره خلال السنوات المقبلة.
وفي المحصلة، نجح جوش كير في الوفاء بوعده وتحويل «مشروع 222» إلى واحدة من أبرز لحظات ألعاب القوى الحديثة. وبعد 27 عامًا من صمود رقم هشام الكروج، أصبح سباق الميل يمتلك بطلًا عالميًا جديدًا بزمن 3:42.66، في إنجاز سيظل حاضرًا طويلًا في ذاكرة الجماهير وسجلات أم الألعاب.
