
أكد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» تمسكه بعدم تطبيق قاعدة البطاقة الحمراء التلقائية على اللاعبين الذين يغطون أفواههم أثناء الحديث مع المنافسين داخل الملعب، وذلك رغم اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» لهذه القاعدة بصورة صارمة في كأس العالم 2026.
وتنص القاعدة التي أقرها مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم «IFAB» على أنه، وفق تقدير منظّم البطولة، يمكن معاقبة أي لاعب بالبطاقة الحمراء إذا غطى فمه أثناء موقف تصادمي أو مشادة لفظية مع لاعب منافس، بهدف منع إخفاء عبارات مسيئة أو تمييزية أو عنصرية داخل الملعب. وقد أوضح «IFAB» أن تطبيق هذه العقوبة يكون وفق صلاحيات منظم المسابقة، وليس إلزامًا موحدًا على جميع البطولات. (theifab.com)
وبناءً على ذلك، اختار «يويفا» طريقًا مختلفًا عن «فيفا»، إذ لن يعتمد الطرد التلقائي في بطولاته القارية المقبلة، ومن بينها دوري أبطال أوروبا، والدوري الأوروبي، ودوري المؤتمر. وبدلًا من ذلك، سيواصل الاتحاد الأوروبي منح الحكام مساحة تقديرية لتقييم كل موقف على حدة، سواء بالاكتفاء بالإنذار أو اللجوء لعقوبة أشد إذا رأى الحكم أن التصرف يدخل ضمن السلوك غير الرياضي أو محاولة إخفاء إساءة واضحة. (TalkSport)
قاعدة جديدة تشعل الجدل في كأس العالم
شهدت كأس العالم 2026 تطبيقًا صارمًا للقاعدة الجديدة، الأمر الذي أثار الكثير من النقاش بين الجماهير والمحللين واللاعبين. فقد تلقى اللاعبون تحذيرات قبل البطولة من أن تغطية الفم أثناء مواجهة لفظية مع الخصم قد تؤدي مباشرة إلى بطاقة حمراء، خصوصًا إذا جاء التصرف في سياق مشادة أو توتر داخل الملعب. (AP News)
وكان ميغيل ألميرون، لاعب منتخب باراغواي، من أبرز الأسماء التي عوقبت بموجب هذا التوجه، بعدما أصبح أول لاعب يتعرض للطرد بسبب تغطية فمه خلال مواجهة لفظية في مباراة أمام تركيا. وبعد ذلك، تكرر المشهد مع الإكوادوري بييرو هينكابي خلال مباراة منتخب بلاده أمام المكسيك، عندما أشهر الحكم البطاقة الحمراء بحقه في الوقت بدل الضائع بعد تبادل كلامي مع سانتي جيمينيز. (AP News)
وبالتالي، أصبح القانون واحدًا من أكثر قرارات البطولة إثارة للجدل، خاصة أن كثيرين يرون أن تغطية الفم قد تكون عادة منتشرة بين اللاعبين لتجنب قراءة الشفاه، وليست بالضرورة دليلًا على توجيه إساءة. وفي المقابل، يرى المؤيدون أن القاعدة تمنح الحكام أداة حاسمة لمكافحة الإهانات العنصرية أو التمييزية التي يصعب إثباتها لاحقًا.
جذور الأزمة من واقعة فينيسيوس وبريستياني
تعود خلفية هذا التشدد إلى أزمة حدثت في دوري أبطال أوروبا بين ريال مدريد وبنفيكا، حين اتُّهم جناح بنفيكا جيانلوكا بريستياني بتوجيه إساءة تمييزية إلى البرازيلي فينيسيوس جونيور، لاعب ريال مدريد، خلال مواجهة الفريقين في فبراير الماضي. وذكرت تقارير أن بريستياني غطى فمه بقميصه أثناء الحديث مع فينيسيوس، ما جعل إثبات ما قيل داخل الملعب أكثر صعوبة. (The Guardian)
وبعد تلك الواقعة، عاقب «يويفا» بريستياني بالإيقاف ست مباريات بسبب سلوك تمييزي وُصف بأنه معادٍ للمثلية، وفق ما أعلن الاتحاد الأوروبي لاحقًا. كما أشارت التقارير إلى أن المباراة توقفت عدة دقائق بعد شكوى فينيسيوس من الواقعة، قبل أن يتطور الملف إلى نقاش أوسع حول ضرورة منع اللاعبين من إخفاء أفواههم أثناء المشادات. (Al Jazeera)
ومن هنا، دفع رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو باتجاه تشديد العقوبة، حتى لا تتحول تغطية الفم إلى وسيلة لإخفاء العبارات المسيئة داخل الملعب. ولذلك، تمت الموافقة على التعديل قبل كأس العالم 2026، لكن بصيغة تمنح منظمي البطولات حرية اعتماده أو عدم اعتماده.
لماذا يرفض يويفا الطرد التلقائي؟
يرى «يويفا» أن الطرد المباشر لمجرد تغطية الفم قد يفتح الباب أمام قرارات قاسية أو غير دقيقة، خصوصًا أن الحكم قد لا يعرف مضمون الحديث بين اللاعبين. لذلك، يفضّل الاتحاد الأوروبي التعامل مع كل حالة بحسب سياقها، بدل تحويل الإيماءة نفسها إلى مخالفة تستوجب الطرد تلقائيًا.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن بطولات الأندية الأوروبية تعتمد على مباريات عالية الحساسية، وقد يؤدي الطرد التلقائي في حالات غير واضحة إلى تغيير مسار مباريات كبرى في دوري الأبطال أو الدوري الأوروبي. ومن هذا المنطلق، يبدو موقف «يويفا» أقرب إلى الحفاظ على سلطة الحكم في تقدير الحالة، مع إبقاء باب العقوبات مفتوحًا إذا ثبت وجود سلوك مسيء أو محاولة متعمدة لإخفاء إساءة.
ومع ذلك، لا يعني قرار «يويفا» السماح للاعبين بتغطية أفواههم دون قيود. فالاتحاد الأوروبي قد يعاقب أي لاعب إذا رأى الحكم أو اللجان التأديبية أن التصرف كان جزءًا من سلوك غير رياضي أو محاولة لإخفاء تواصل مسيء. وبالتالي، فإن الفارق الأساسي بين «يويفا» و«فيفا» ليس في رفض مكافحة الإساءات، بل في طريقة تطبيق العقوبة.
بين حماية اللاعبين ومكافحة الإساءات
تكشف هذه القضية عن معادلة صعبة في كرة القدم الحديثة. فمن جهة، تحاول المؤسسات الكروية حماية اللاعبين من الإهانات العنصرية والتمييزية داخل الملعب. ومن جهة أخرى، تخشى بعض الجهات أن تتحول العقوبات الآلية إلى قرارات مبالغ فيها، خصوصًا عندما تعتمد على حركة جسدية قد لا تحمل دائمًا نية سيئة.
لذلك، أصبح الجدل أكبر من مجرد تغطية الفم، لأنه يمس سؤالًا مهمًا: هل يجب معاقبة اللاعب على الإيماءة نفسها، أم على مضمون الكلام الذي يحاول إخفاءه؟ فيفا تميل إلى الحسم والردع المباشر في سياق كأس العالم، بينما يويفا يفضّل التقييم الفردي والسياق الكامل للحالة.
كما أن دخول تقنية الفيديو في بعض هذه الحالات يزيد النقاش تعقيدًا، لأن الكاميرات قد ترصد الحركة، لكنها لا تستطيع دائمًا إثبات الكلام. وبالتالي، سيظل تقدير الحكم واللجان التأديبية عنصرًا مهمًا في التعامل مع مثل هذه المواقف.
تحليل: قرار يويفا أكثر مرونة لكنه يحتاج وضوحًا
من الناحية التنظيمية، يبدو قرار «يويفا» أكثر مرونة، لأنه لا يعامل جميع الحالات بالطريقة نفسها. فهناك فرق بين لاعب يغطي فمه أثناء حديث عابر مع زميل أو خصم، وبين لاعب يفعل ذلك في لحظة توتر ومواجهة لفظية حادة. ولذلك، فإن ترك مساحة للحكم قد يكون أكثر عدالة من العقوبة التلقائية.
لكن في المقابل، يحتاج موقف «يويفا» إلى توضيح دقيق للحكام واللاعبين، حتى لا تتحول القرارات إلى اجتهادات متباينة من مباراة إلى أخرى. فإذا عاقب حكم لاعبًا بالإنذار في حالة معينة، بينما اكتفى آخر بالتحذير في حالة مشابهة، فقد تتجدد الأزمة بصورة أكبر.
وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي أمام «يويفا» سيكون في صياغة تعليمات واضحة للحكام، بحيث يتم التمييز بين الإيماءة العادية والسلوك المتعمد لإخفاء إساءة. كما يجب أن تكون العقوبات التأديبية اللاحقة حاضرة في حال ثبوت وجود عبارات عنصرية أو تمييزية بعد المباراة.
تأثير القرار على بطولات أوروبا
سيكون لقرار «يويفا» تأثير مباشر على بطولات الموسم المقبل، خصوصًا دوري أبطال أوروبا، حيث تشهد المباريات توترًا كبيرًا واحتكاكات لفظية متكررة بين اللاعبين. وبما أن الطرد التلقائي لن يكون حاضرًا، فإن اللاعبين سيخضعون لتقدير الحكام في الملعب واللجان التأديبية بعد المباراة.
ومن المتوقع أن يراقب «يويفا» تجربة كأس العالم عن قرب، خاصة بعد الجدل الذي رافق طرد ألميرون وهينكابي. فإذا أثبتت القاعدة نجاحًا واضحًا في الحد من الإساءات دون التسبب في ظلم تحكيمي، فقد يعود النقاش لاحقًا حول اعتمادها أوروبيًا. أما إذا استمرت حالة الجدل، فسيبدو موقف «يويفا» أكثر قابلية للدفاع عنه.
وفي النهاية، تؤكد القضية أن كرة القدم تدخل مرحلة جديدة من التشدد تجاه السلوكيات المسيئة، لكن الخلاف لا يزال قائمًا حول الوسيلة الأنسب. فـ«فيفا» اختارت الردع السريع، بينما فضّل «يويفا» المرونة والتقدير الفردي، وبينهما يبقى اللاعبون والحكام أمام اختبار صعب داخل الملعب.
