
ودّع منتخب ألمانيا منافسات كأس العالم 2026 من دور الـ32، بعد خسارته الدرامية أمام منتخب باراغواي بركلات الترجيح بنتيجة 4-3، عقب نهاية الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل الإيجابي 1-1، في واحدة من أكثر مباريات الأدوار الإقصائية إثارة وتوترًا.
المواجهة التي أقيمت مساء الاثنين حملت الكثير من التحولات، إذ دخل المنتخب الألماني اللقاء بترشيحات قوية لعبور الدور، مستندًا إلى تاريخه الكبير في البطولة وخبرته الطويلة في المباريات الحاسمة. لكن باراغواي نجحت في فرض سيناريو مختلف، وخرجت بانتصار تاريخي بعد أن تعاملت بصلابة دفاعية وهدوء كبير في اللحظات المصيرية.
ورغم تفوق ألمانيا في فترات عديدة من المباراة، خاصة خلال الشوط الثاني والوقت الإضافي، فإن الحسم في ركلات الترجيح جاء صادمًا للجماهير الألمانية، بعدما أهدر المنتخب الألماني ثلاث ركلات دفعة واحدة عن طريق كاي هافرتز ونيك فولتماده وجوناتان تاه، ليكتب منتخب باراغواي واحدة من أبرز مفاجآت مونديال 2026.
باراغواي تضرب أولًا عكس سير اللعب
بدأت المباراة بإيقاع حذر من جانب منتخب باراغواي، الذي اعتمد على إغلاق المساحات أمام المنتخب الألماني، مع محاولة استغلال سرعة التحولات الهجومية عن طريق ميغيل ألميرون وخوليو إنسيسو.
في المقابل، حاول منتخب ألمانيا فرض سيطرته المعتادة عبر الاستحواذ وبناء اللعب من الخلف، مع تحركات فلوريان فيرتز في المساحات بين خطوط باراغواي. ورغم الأفضلية الألمانية من حيث الاستحواذ والوصول إلى مناطق الخصم، فإن اللمسة الأخيرة غابت عن الهجوم الألماني خلال معظم فترات الشوط الأول.
وفي الدقيقة 42، جاءت المفاجأة الباراغويانية. بدأت الهجمة بانطلاقة من ميغيل ألميرون، الذي مرر كرة ذكية إلى ماتياس غالارزا، ليرسل الأخير عرضية متقنة داخل منطقة الجزاء، ارتقى لها خوليو إنسيسو وحولها برأسه داخل الشباك، مانحًا منتخب باراغواي التقدم 1-0 عكس سير اللعب.
هدف إنسيسو منح باراغواي دفعة معنوية كبيرة قبل نهاية الشوط الأول، بينما وضع المنتخب الألماني تحت ضغط واضح، خصوصًا أن تلقي هدف في توقيت متأخر قبل الاستراحة أربك حسابات المدرب يوليان ناغلزمان.
هافرتز يعيد ألمانيا إلى المباراة
مع بداية الشوط الثاني، دخل منتخب ألمانيا باندفاع هجومي واضح، بحثًا عن تعديل النتيجة مبكرًا وعدم السماح لباراغواي بالتكتل الدفاعي لفترة أطول. ونجح الضغط الألماني في تحقيق هدفه سريعًا، بعدما احتاج الفريق إلى أقل من عشر دقائق فقط لإدراك التعادل.
وجاء هدف ألمانيا عبر كاي هافرتز، الذي استغل تمريرة عرضية دقيقة من فلوريان فيرتز، وارتقى داخل منطقة الجزاء ليسدد ضربة رأس قوية في الشباك، معلنًا عودة المنتخب الألماني إلى أجواء اللقاء.
بعد هدف التعادل، زادت ثقة ألمانيا في قدرتها على قلب النتيجة، وبدأ الفريق يضغط بشكل أكبر على دفاع باراغواي. ورغم ذلك، تعامل منتخب باراغواي بانضباط دفاعي كبير، ونجح في امتصاص فترات الضغط الألماني، مع الاعتماد على المرتدات السريعة كلما سنحت الفرصة.
أفضلية ألمانية دون حسم
استمر التعادل 1-1 حتى نهاية الوقت الأصلي، رغم المحاولات الألمانية المتكررة للبحث عن هدف الفوز. وظهر أن المنتخب الألماني يمتلك الأفضلية الفنية، لكنه لم ينجح في تحويلها إلى نتيجة حاسمة.
في المقابل، بدا منتخب باراغواي أكثر واقعية، حيث ركز على تقليل المساحات داخل منطقة الجزاء، ومنع التمريرات القصيرة السريعة التي يجيدها لاعبو ألمانيا. هذا الأسلوب أجبر الألمان على اللجوء كثيرًا إلى العرضيات والتسديد من خارج المنطقة.
ومع دخول المباراة إلى الوقت الإضافي، استمرت ألمانيا في محاولاتها الهجومية، بينما تراجع منتخب باراغواي نسبيًا، محافظًا على تماسكه الدفاعي، ومراهنًا على الوصول إلى ركلات الترجيح.
هدف ملغى يشعل المواجهة
في الدقيقة 102، اعتقد منتخب ألمانيا أنه سجل هدف التقدم عن طريق جوناتان تاه، بعدما ارتقى لكرة عرضية وحولها برأسه داخل المرمى. لكن الحكم المغربي رضوان جيد عاد إلى تقنية حكم الفيديو المساعد، قبل أن يقرر إلغاء الهدف بسبب وجود خطأ من المدافع فالديمار أنتون ضد أورلاندو خيل، حارس باراغواي.
قرار الحكم أثار احتجاجات قوية من الجهاز الفني الألماني بقيادة يوليان ناغلزمان، الذي رأى أن الهدف كان يمكن أن يغير مسار المباراة بالكامل. لكن الحكم تمسك بقراره بعد مراجعة اللقطة، في قرار وصف بالجريء نظرًا لحساسية التوقيت وأهمية المباراة.
إلغاء الهدف زاد من توتر المواجهة، ومنح باراغواي فرصة جديدة للبقاء في المباراة، بينما حاول منتخب ألمانيا استعادة تركيزه ومواصلة الضغط بحثًا عن هدف قاتل قبل نهاية الوقت الإضافي.
أنتون يهدر فرصة الحسم قبل الترجيح
في الدقيقة 118، كاد فالديمار أنتون أن يعوض الخطأ الذي تسبب في إلغاء هدف تاه، بعدما حصل على فرصة خطيرة بضربة رأس داخل منطقة الجزاء. لكن الحارس أورلاندو خيل كان حاضرًا بثبات كبير، وأمسك الكرة بنجاح، ليحرم ألمانيا من هدف قاتل كان قريبًا من إنهاء المواجهة قبل الوصول إلى ركلات الترجيح.
ومع صافرة نهاية الوقت الإضافي، دخل المنتخبان إلى ركلات الترجيح وسط توتر كبير. ورغم التاريخ الألماني القوي في هذا النوع من الحسم، فإن المفاجأة كانت في انهيار المنتخب الألماني من نقطة الجزاء.
انهيار ألماني نادر من نقطة الجزاء
قبل هذه المباراة، كان سجل ألمانيا في ركلات الترجيح شبه مثالي، حيث سجل المنتخب 17 ركلة من أصل 18 في تاريخه بالمونديال. لكن أمام باراغواي، تغيّر كل شيء.
أهدر كاي هافرتز ونيك فولتماده وجوناتان تاه ثلاث ركلات ترجيح، ليمنحوا منتخب باراغواي فرصة حسم المواجهة بنتيجة 4-3. وفي المقابل، أظهر لاعبو باراغواي هدوءًا كبيرًا، ونجحوا في التعامل مع الضغط النفسي بصورة مميزة.
هذا السقوط الألماني في ركلات الترجيح يمثل واحدة من أكثر اللحظات صدمة في مشوار المنتخب بتاريخ البطولة، خاصة أن ألمانيا اعتادت أن تكون من أكثر المنتخبات ثباتًا في لحظات الحسم.
ألمانيا تدفع ثمن الفرص الضائعة
فنيًا، لم يكن منتخب ألمانيا الطرف الأضعف في المباراة، بل امتلك فترات طويلة من الأفضلية والاستحواذ. لكنه دفع ثمن غياب الفاعلية الهجومية وعدم القدرة على استغلال الضغط داخل منطقة جزاء باراغواي.
المنتخب الألماني عانى من البطء في بعض مراحل بناء الهجمة، كما أن كثرة الاعتماد على الكرات العرضية جعلت دفاع باراغواي أكثر قدرة على التعامل مع الخطورة. وعلى الرغم من تسجيل هافرتز هدف التعادل، فإن ألمانيا لم تتمكن من خلق فرص كافية تضمن الحسم في الوقت الأصلي.
أما منتخب باراغواي، فقد قدم مباراة ذكية من الناحية التكتيكية. لم يبحث عن الاستحواذ بقدر ما ركز على الانضباط والانتشار الدفاعي واستغلال اللحظات المناسبة للهجوم. هدف إنسيسو جاء من هجمة منظمة وسريعة، بينما كان الحارس أورلاندو خيل أحد أبرز عناصر التفوق في اللحظات الحاسمة.
تأثير النتيجة على مشوار المنتخبين
خروج ألمانيا من دور الـ32 يمثل ضربة قوية للمنتخب الألماني وجماهيره، خاصة أن التوقعات كانت تشير إلى قدرة الفريق على الذهاب بعيدًا في كأس العالم 2026. كما أن الخسارة بهذه الطريقة ستفتح بابًا واسعًا للنقاش حول اختيارات ناغلزمان، وطريقة إدارة المباراة، والأسماء التي تولت تنفيذ ركلات الترجيح.
في المقابل، يمنح هذا الفوز منتخب باراغواي دفعة معنوية هائلة قبل مواجهة دور الستة عشر، حيث ينتظر الفائز من مباراة فرنسا والسويد. وسيخوض منتخب باراغواي اللقاء المقبل بثقة كبيرة، بعدما أطاح بمنتخب كبير بحجم ألمانيا، وأثبت قدرته على الصمود في المباريات الكبرى.
الخلاصة
بهذه النتيجة، يكتب منتخب باراغواي واحدة من أبرز مفاجآت كأس العالم 2026، بعدما أطاح بألمانيا من دور الـ32 بركلات الترجيح، في مباراة جمعت بين الإثارة، القرارات التحكيمية المؤثرة، والدراما الكروية حتى اللحظة الأخيرة.
أما منتخب ألمانيا، فودّع البطولة بطريقة قاسية، بعدما تحولت نقطة قوته التاريخية في ركلات الترجيح إلى نقطة انهيار، ليغادر المونديال مبكرًا تاركًا خلفه الكثير من الأسئلة الفنية والنفسية.

