
دخل المنتخب السعودي لألعاب القوى منافسات البطولة العربية للناشئين والناشئات بقائمة موسعة تضم 34 لاعبًا ولاعبة، في مشاركة تعكس رغبة الاتحاد السعودي في منح المواهب الصاعدة فرصة الاحتكاك القوي، واختبار قدراتها أمام نخبة الرياضيين العرب في الفئة العمرية تحت 18 عامًا.
واحتضن ملعب ألعاب القوى في رادس بالعاصمة التونسية منافسات النسخة الحادية عشرة من البطولة، خلال الفترة من 23 إلى 27 أغسطس 2025، بمشاركة واسعة من المنتخبات العربية. وتكتسب هذه البطولة أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على التنافس من أجل الميداليات، بل تمثل محطة لاكتشاف الأسماء القادرة على الانتقال مستقبلًا إلى منتخبات الشباب والمنتخب الأول.
وتعكس مشاركة 34 رياضيًا سعوديًا اتساع قاعدة الاختيار في ألعاب القوى، وحرص الأجهزة الفنية على الحضور في أكبر عدد ممكن من مسابقات المضمار والميدان. كما تمنح القائمة الموسعة الجهاز الفني فرصة عملية لتقييم مستوى اللاعبين في ظروف تنافسية تختلف عن البطولات المحلية والمعسكرات التدريبية.
الأخضر يراهن على جيل جديد من المواهب
تأتي المشاركة السعودية ضمن مشروع يستهدف بناء جيل جديد قادر على تمثيل المملكة في البطولات العربية والقارية والدولية. وتُعد فئة الناشئين من أهم المراحل في صناعة بطل ألعاب القوى، إذ يبدأ خلالها اللاعب في تطوير قدراته الفنية والبدنية، والتعرف على متطلبات المنافسات الخارجية وإدارة الضغوط.
واختيار 34 لاعبًا ولاعبة للمشاركة في «قوى العرب» يكشف عن رغبة واضحة في عدم حصر الطموحات السعودية في عدد محدود من المسابقات. فرياضة ألعاب القوى تضم تخصصات مختلفة، تبدأ من سباقات السرعة والمسافات المتوسطة والطويلة، مرورًا بسباقات الحواجز والتتابع، وصولًا إلى مسابقات الوثب والرمي.
هذا التنوع يفرض وجود مجموعة كبيرة من الرياضيين والمدربين، لأن لكل مسابقة متطلبات فنية وبدنية مختلفة. كما يتيح للمنتخب السعودي زيادة فرصه في المنافسة على المراكز المتقدمة، مع منح أكبر عدد من المواهب تجربة المشاركة الدولية.
بطولة عربية بمنافسة واسعة
شهدت البطولة العربية الحادية عشرة مشاركة نحو 400 لاعب ولاعبة، تنافسوا في 38 مسابقة، وفقًا لما أعلنته وكالة الأنباء السعودية. وضمت قائمة الدول المشاركة عددًا كبيرًا من المنتخبات المعروفة بقوتها في ألعاب القوى، وفي مقدمتها المغرب وتونس والجزائر ومصر، إلى جانب منتخبات الخليج والمشرق العربي.
وأقيمت البطولة لفئة الناشئين والناشئات تحت 18 عامًا على ملعب ألعاب القوى برادس، خلال خمسة أيام من المنافسات، وفق البرنامج الذي أعلنته الجهات المنظمة في تونس. ويمنح هذا الحجم من المشاركة البطولة قيمة فنية كبيرة، لأن اللاعب لا يواجه منافسًا أو اثنين فقط، بل يدخل في اختبارات متنوعة تبدأ من الأدوار التأهيلية وقد تمتد إلى النهائيات.
وتتميز بطولات الفئات العمرية بعدم سهولة توقع نتائجها، بسبب التطور السريع في مستويات اللاعبين خلال هذه المرحلة. فقد يظهر رياضي شاب بزمن جديد أو رقم شخصي أفضل من المسجل سابقًا، كما قد تتغير موازين المنافسة بين بطولة وأخرى وفق الجاهزية البدنية والخبرة المكتسبة.
ماذا تعني مشاركة 34 لاعبًا ولاعبة؟
من الناحية الفنية، تسمح القائمة الموسعة للأخضر السعودي بتغطية عدد أكبر من مسابقات البطولة، بدلًا من التركيز على تخصص واحد. كما تمنح الأجهزة الفنية فرصة لمقارنة أداء اللاعبين بالأرقام العربية المسجلة في الفئة نفسها، وتحديد نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى مزيد من التطوير.
ولا تقاس أهمية المشاركة بعدد الميداليات فقط، على الرغم من أن الصعود إلى منصات التتويج يبقى هدفًا رئيسيًا. ففي مسابقات الناشئين، يُعد تحطيم الرقم الشخصي، والوصول إلى النهائي، واكتساب القدرة على التعامل مع أجواء المنافسة الخارجية مؤشرات مهمة على نجاح اللاعب.
كما تساعد البطولة في اكتشاف العناصر التي تمتلك قابلية التطور على المدى البعيد. بعض اللاعبين قد لا يحققون ميدالية في مشاركتهم الأولى، لكنهم يظهرون قدرات فنية وأرقامًا تؤكد إمكانية تحولهم إلى أبطال خلال سنوات قليلة، بشرط استمرار التدريب العلمي والمتابعة الطبية والبدنية.
سباقات السرعة والحواجز
تمثل مسابقات السرعة والحواجز إحدى أبرز نقاط الاهتمام في ألعاب القوى السعودية، لما تتطلبه من إعداد بدني دقيق، وانطلاقة قوية، وتناسق كبير بين السرعة والخطوات الفنية. وفي البطولات القصيرة، قد يفصل جزء من الثانية بين التأهل والخروج، وهو ما يجعل التركيز الذهني عنصرًا حاسمًا.
وتوفر البطولة العربية فرصة مهمة للعدائين السعوديين من أجل اختبار قدرتهم على التعامل مع التصفيات والنهائيات خلال فترة زمنية متقاربة. كما تبرز أهمية سباقات التتابع، التي لا تعتمد على سرعة كل لاعب منفردًا فقط، بل تحتاج إلى دقة عالية في تسليم العصا والانسجام بين أفراد الفريق.
مسابقات الميدان والمسافات
في مسابقات الوثب والرمي، يحتاج اللاعب إلى الثبات الفني وتكرار المحاولات الجيدة، لأن نتيجة المنافسة قد تتغير في المحاولة الأخيرة. ويشكل الاحتكاك مع المدارس العربية المختلفة فرصة لتقييم الأسلوب الفني، سواء في الوثب الطويل والعالي أو دفع الجلة ورمي القرص والرمح.
أما سباقات المسافات المتوسطة والطويلة، فتتطلب قراءة تكتيكية للمنافسة، وتوزيعًا مناسبًا للجهد، وقدرة على تغيير الإيقاع في اللفات الأخيرة. لذلك تمنح المشاركة الدولية الرياضيين السعوديين خبرة يصعب اكتسابها من التدريبات وحدها.
التحليل الفني للمشاركة السعودية
وجود 34 لاعبًا ولاعبة لا يضمن وحده تحقيق النتائج، لكنه يوفر قاعدة مناسبة للمنافسة إذا جرى توزيع العناصر وفق مستوياتهم وأرقامهم المسجلة. وسيكون التحدي الأبرز أمام الجهاز الفني هو مساعدة اللاعبين على الوصول إلى أفضل جاهزية في يوم المنافسة، خصوصًا أن بعض المسابقات تتضمن تصفيات قبل النهائي.

كما يحتاج اللاعب الناشئ إلى دعم نفسي يساعده على تجاوز رهبة المشاركة الأولى. فالمنافسات الخارجية تختلف عن البطولات المحلية من حيث عدد المشاركين، وقوة الأسماء، وبرنامج السباقات، والحضور الجماهيري والإعلامي. وكلما نجح اللاعب في التعامل مع هذه العوامل، زادت فرصه في تقديم مستواه الحقيقي.
وتبدو المشاركة السعودية مهمة أيضًا من ناحية جمع البيانات الفنية. فالأرقام التي يسجلها الرياضيون في البطولة ستمنح الاتحاد والمدربين صورة أكثر دقة عن مستوى كل لاعب، ومدى قربه من المنافسة القارية، والبرامج التدريبية التي يحتاجها في المرحلة التالية.
من البطولة العربية إلى الاستحقاقات القارية
لا ينبغي النظر إلى «قوى العرب» باعتبارها بطولة منفصلة عن بقية الموسم، بل بوصفها جزءًا من مسار متكامل لإعداد الرياضيين. فاللاعب الذي يحقق رقمًا مميزًا في فئة الناشئين يمكن تصعيده تدريجيًا إلى منافسات الشباب، ثم إدخاله في بطولات أقوى على المستوى الآسيوي والدولي.
وتحتاج هذه الرحلة إلى استمرارية في التدريب، وإدارة دقيقة للأحمال البدنية، والوقاية من الإصابات، إلى جانب المشاركة المنتظمة في البطولات. كما أن المحافظة على الموهبة بعد اكتشافها تمثل تحديًا لا يقل أهمية عن عملية اكتشافها نفسها.
ومن هنا، تمنح البطولة الاتحاد السعودي فرصة لاختيار العناصر التي يمكن الاستثمار فيها خلال السنوات المقبلة، سواء عبر المعسكرات المتخصصة أو المشاركات الخارجية أو البرامج الفردية التي تراعي طبيعة كل مسابقة.
تأثير مشاركة الأخضر في «قوى العرب»
يتمثل التأثير المباشر للمشاركة في منح 34 رياضيًا سعوديًا خبرة تنافسية خارجية، وهو عدد يعكس وجود قاعدة من المواهب يمكن البناء عليها مستقبلًا. وكل لاعب يعود من البطولة بمعلومات عملية عن مستواه، سواء نجح في تحقيق ميدالية أو سجل رقمًا شخصيًا أو اكتشف حاجته إلى تطوير جانب فني معين.
أما على المدى المتوسط، فقد تسهم البطولة في زيادة المنافسة بين لاعبي الأندية ومراكز التدريب داخل المملكة. فعندما يرى الرياضيون الصاعدون أن أبواب المنتخب والمشاركات العربية متاحة لأصحاب الأرقام الأفضل، فإن ذلك يرفع مستوى الحافز والانضباط.
ويمتد التأثير إلى الأندية والمدربين، لأن نتائج اللاعبين تكشف جودة برامج الإعداد، وتساعد على تقييم العمل الفني في مختلف المناطق. كما أن ظهور أسماء سعودية جديدة على منصات التتويج يعزز حضور ألعاب القوى محليًا، ويمنح الرياضة مزيدًا من الاهتمام الإعلامي والجماهيري.
المشاركة السعودية أبعد من حصيلة الميداليات
الهدف الطبيعي لأي منتخب هو المنافسة على الذهب وتحقيق مركز متقدم، لكن القيمة الحقيقية لمشاركة الناشئين تتجاوز جدول الميداليات. النجاح يشمل بناء شخصية الرياضي، وتعليمه كيفية الاستعداد، والتعامل مع الفوز والخسارة، والمحافظة على التركيز وسط ضغط المنافسة.
ويؤكد الحضور السعودي الواسع أن تطوير ألعاب القوى يبدأ من الفئات السنية، وليس فقط عند الوصول إلى المنتخب الأول. وكل تجربة يخوضها اللاعب في هذه المرحلة يمكن أن تختصر عليه خطوات كثيرة عندما ينتقل إلى بطولات الشباب والكبار.
كما تعكس المشاركة الاهتمام المتزايد بالألعاب الفردية، التي تستطيع منح الرياضة السعودية فرصًا واسعة لتحقيق إنجازات عربية وآسيوية ودولية، متى ما توافرت برامج إعداد طويلة المدى واستمر اكتشاف المواهب في المدارس والأندية.
الخلاصة
تمثل مشاركة 34 لاعبًا ولاعبة مع المنتخب السعودي في البطولة العربية لألعاب القوى للناشئين والناشئات خطوة مهمة في مشروع إعداد جيل جديد من الأبطال. فالبطولة التي استضافتها تونس جمعت مئات المواهب العربية في عشرات المسابقات، ووفرت للأخضر اختبارًا حقيقيًا أمام مدارس مختلفة في المضمار والميدان.
وبصرف النظر عن عدد الميداليات، تبقى الخبرة المكتسبة والأرقام الشخصية وتقييم قدرات اللاعبين من أهم مكاسب المشاركة. وإذا جرى استثمار هذه التجربة عبر المتابعة والمعسكرات والبرامج الفنية المتخصصة، فقد تتحول أسماء هذه القائمة إلى ركائز أساسية في مستقبل ألعاب القوى السعودية.







