
تتجه أنظار جماهير كرة القدم إلى ملعب نيويورك نيوجيرسي، مساء الأحد، لمتابعة نهائي كأس العالم 2026 الذي يجمع المنتخب الأرجنتيني حامل اللقب بنظيره الإسباني، في مواجهة لا تبدو مجرد صراع بين مدرستين كرويتين مختلفتين، بل سلسلة من المعارك الفردية التي قد تحدد هوية بطل النسخة الأكبر في تاريخ البطولة.
وتنطلق المباراة عند الساعة العاشرة مساءً بتوقيت السعودية، بعدما تأهلت إسبانيا بالفوز على فرنسا بهدفين دون مقابل، بينما تجاوزت الأرجنتين إنجلترا بنتيجة 2-1 في نصف النهائي. ويبحث منتخب «التانغو» عن لقبه العالمي الرابع والثاني تواليًا، في حين تطارد إسبانيا الكأس الثانية بعد إنجازها الأول عام 2010. (Reuters)
وركز الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» على ثلاث مواجهات مباشرة ينتظر أن تؤثر بصورة كبيرة في مسار النهائي، تجمع ليونيل ميسي بإيمريك لابورت، ورودري بإنزو فرنانديز، ولامين يامال بنيكولاس تاليافيكو. (فيفا)
ميسي أمام لابورت.. أخطر اختبار للدفاع الإسباني
تأتي المواجهة بين ليونيل ميسي وإيمريك لابورت في مقدمة الصراعات المنتظرة، خاصة أن قائد الأرجنتين يواصل تقديم تأثير هجومي كبير رغم بلوغه 39 عامًا، ودخل النهائي متصدرًا سباق هدافي البطولة برصيد ثمانية أهداف.
ولا تقتصر خطورة ميسي على التسجيل فقط، إذ يتحرك بحرية بين الوسط والهجوم، ويجذب أكثر من مدافع قبل تمرير الكرة إلى المساحات التي يستغلها خوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز ولاعبو الوسط المتقدمون.
ولذلك، قد يتجنب مدرب إسبانيا لويس دي لا فوينتي تكليف مدافع واحد بمراقبته رجلًا لرجل، لأن تحركات ميسي المستمرة قد تسحب لابورت بعيدًا عن موقعه وتفتح فجوات داخل منطقة الجزاء. ومن المرجح أن يعتمد الإسبان على رقابة جماعية تبدأ من رودري ولاعبي الوسط، ثم تنتقل إلى لابورت وباو كوبارسي عند اقترابه من المرمى.
في المقابل، قدم لابورت بطولة مميزة وشكل شراكة دفاعية قوية مع كوبارسي، وأسهم في حفاظ إسبانيا على أفضل سجل دفاعي في المونديال، بعدما استقبلت شباكها هدفًا واحدًا فقط خلال سبع مباريات. (الشرق الأوسط)
وسيكون هدوء لابورت في التعامل مع الكرة عاملًا مهمًا، لأن الضغط الأرجنتيني قد يدفعه إلى ارتكاب تمريرات خاطئة في مناطق خطرة. كما يحتاج المدافع الإسباني إلى تجنب التدخلات المتسرعة، نظرًا إلى قدرة ميسي على تغيير اتجاهه بسرعة وانتزاع الأخطاء بالقرب من منطقة الجزاء.
هل يستطيع المنتخب الإسباني عزل ميسي؟
تتمثل المهمة الأساسية لإسبانيا في منع وصول الكرة بسهولة إلى ميسي، بدلًا من انتظار استلامه ثم محاولة إيقافه. ومن هنا، ستكون المسافات بين خطي الوسط والدفاع حاسمة، لأن وجود مساحة صغيرة بينهما قد يمنح قائد الأرجنتين فرصة للاستدارة وصناعة الهجمة.
كما يستطيع ميسي الهروب إلى الجهة اليمنى أو التراجع إلى منتصف الملعب، وهو ما يضع لابورت أمام قرار صعب: هل يتبعه ويترك موقعه، أم يبقى داخل الخط الدفاعي ويسمح له باستلام الكرة؟
أما الأرجنتين، فقد تحاول استغلال التركيز الإسباني على ميسي من خلال منح الحرية لإنزو فرنانديز وأليكسيس ماك أليستر للتقدم والتسديد، إضافة إلى تحركات ألفاريز خلف المدافعين.
وبالتالي، لن تُقاس أفضلية ميسي بعدد أهدافه أو لمساته فقط، بل بمقدار المساحات التي يخلقها لزملائه عبر تحركاته واستحواذه على اهتمام الدفاع الإسباني.
رودري وإنزو فرنانديز.. صراع السيطرة في قلب الملعب
تمثل المواجهة بين رودري وإنزو فرنانديز صراعًا مباشرًا على إيقاع المباراة. فإسبانيا تعتمد على قائدها في بدء الهجمات والمحافظة على الاستحواذ وإعادة تدوير الكرة، بينما يمثل إنزو أحد أهم عناصر الضغط والتحول الهجومي في المنتخب الأرجنتيني.
وأكمل رودري 648 تمريرة خلال البطولة بنسبة نجاح بلغت 93 في المئة، وهي أعلى حصيلة بين لاعبي المونديال قبل النهائي، كما سجل أرقامًا مرتفعة في المسافات التي قطعها، ما يعكس دوره الكبير في الحالتين الدفاعية والهجومية. (الشرق الأوسط)
وسيحاول لاعب مانشستر سيتي فرض إيقاع هادئ يمنح إسبانيا القدرة على تحريك دفاع الأرجنتين من جانب إلى آخر، ثم تمرير الكرة إلى الأجنحة أو اللاعبين المتحركين بين الخطوط.
لكن إنزو فرنانديز يمتلك القدرة على إفساد هذه الخطة، إذ يجمع بين القوة في الضغط والقدرة على التسجيل من مسافات بعيدة. وكان لاعب تشيلسي حاسمًا في الأدوار الإقصائية، بعدما سجل في الوقت بدل الضائع أمام مصر، ثم أحرز هدف التعادل بتسديدة بعيدة أمام إنجلترا في نصف النهائي. (الشرق الأوسط)
ومن ثم، سيكون على إنزو مراقبة تحركات رودري دون التراجع بصورة مبالغ فيها، لأن ابتعاده عن مناطق الهجوم قد يقلل قدرة الأرجنتين على دعم ميسي والمهاجمين.
الضغط الأرجنتيني يهدد بناء إسبانيا
إذا نجح إنزو وماك أليستر في إغلاق زوايا التمرير أمام رودري، فقد تضطر إسبانيا إلى بناء الهجمات عبر المدافعين والأطراف، وهو ما يبطئ تقدمها ويمنح الأرجنتين وقتًا لإعادة تنظيم خطوطها.
أما إذا تمكن رودري من التخلص من الضغط الأول، فسيصبح المنتخب الإسباني قادرًا على الوصول بسرعة إلى الثلث الهجومي، خاصة مع التحركات المستمرة للامين يامال ونيكو ويليامز.
وبناءً على ذلك، قد تكون أول عشرين دقيقة مهمة للغاية؛ فإذا فرضت إسبانيا استحواذها وأجبرت الأرجنتين على التراجع، ستصبح المباراة أقرب إلى الأسلوب الذي يفضله دي لا فوينتي. أما إذا نجح الأرجنتينيون في تحويل اللقاء إلى مواجهات بدنية وانتقالات سريعة، فسيحصل فريق ليونيل سكالوني على أفضلية أكبر.
لامين يامال ضد تاليافيكو.. السرعة تواجه الخبرة
تشكل الجهة اليمنى لإسبانيا إحدى أخطر مناطقها الهجومية بوجود لامين يامال، الذي عاد من إصابة في العضلة الخلفية وأظهر تطورًا واضحًا في مستواه مع تقدم البطولة.
وأسهمت سرعة لاعب برشلونة وتحركاته في حصول إسبانيا على ركلة الجزاء التي افتتحت بها التسجيل أمام فرنسا في نصف النهائي، قبل أن يواصل تشكيل الخطورة عبر المراوغات والتمريرات إلى داخل منطقة الجزاء. (الشرق الأوسط)
وفي المقابل، يقع على عاتق نيكولاس تاليافيكو إيقاف الجناح الإسباني، مستفيدًا من خبرته الطويلة مع المنتخب الأرجنتيني ومشاركته الكاملة في نهائي مونديال قطر 2022 أمام فرنسا.
ويمتلك تاليافيكو خبرة 82 مباراة دولية، إلا أنه سيواجه لاعبًا أصغر منه كثيرًا وأكثر قدرة على التسارع وتغيير الاتجاه. ولذلك، قد يحتاج الظهير الأرجنتيني إلى مساعدة مستمرة من لاعب الوسط والجناح القريب منه، لمنع يامال من الدخول إلى قدمه اليسرى المفضلة. (الشرق الأوسط)
كما يمكن للأرجنتين إجبار يامال على أداء واجبات دفاعية من خلال تقدم تاليافيكو وتحرك الجناح الأيسر خلفه، لأن إشغال اللاعب الإسباني بالدفاع يقلل حضوره بالقرب من مرمى إيميليانو مارتينيز.
أقوى هجوم أمام أصلب دفاع
يدخل المنتخبان المباراة بأرقام تعكس اختلاف طريقتيهما. فقد سجلت الأرجنتين 19 هدفًا، لتصبح صاحبة أقوى هجوم في البطولة، بينما اكتفت إسبانيا باستقبال هدف واحد، وهو أفضل سجل دفاعي بين جميع المشاركين.
وفازت الأرجنتين بمبارياتها السبع، في حين حققت إسبانيا ستة انتصارات وتعادلًا واحدًا، كما تدخل المباراة بسلسلة بلغت 37 مواجهة دون خسارة في مختلف المسابقات والمباريات الودية. (AP News)
ويعني ذلك أن النهائي يجمع فريقًا يجيد تحويل المباريات المفتوحة إلى فرص وأهداف، أمام منتخب يفضل السيطرة ومنع المنافس من الوصول إلى مناطقه.
كما تملك الأرجنتين خبرة خوض نهائي 2022 والفوز باللقب، بينما تعتمد إسبانيا على مجموعة شابة يساندها عدد من أصحاب الخبرة مثل رودري ولابورت.
تحليل فني: التفاصيل الصغيرة ستحدد البطل
فنيًا، يبدو المنتخب الإسباني أكثر قدرة على التحكم في الكرة وتنظيم اللعب، لكنه سيواجه خصمًا لا يحتاج إلى الاستحواذ الطويل حتى يصنع الخطورة. فالأرجنتين تستطيع التسجيل من التحولات والكرات الثابتة والتسديدات البعيدة، إضافة إلى الحلول الفردية التي يقدمها ميسي.
وفي المقابل، يحتاج المنتخب الأرجنتيني إلى الحذر من تراجع خطوطه بصورة مبكرة، لأن السماح لإسبانيا بالاستحواذ بالقرب من منطقة الجزاء قد يرهق المدافعين ويفتح المساحات أمام تحركات يامال وبيدري وداني أولمو.
وقد يلعب البدلاء دورًا كبيرًا، خصوصًا إذا امتدت المباراة إلى الوقت الإضافي. كما ستكون إدارة البطاقات والانفعالات ضرورية، لأن أي طرد أو خطأ قريب من المرمى قد يقلب موازين النهائي.
تأثير نتيجة النهائي على المنتخبين
في حال فوز الأرجنتين، ستصبح أول منتخب يحتفظ بكأس العالم منذ البرازيل في نسختي 1958 و1962، كما سيرفع «التانغو» رصيده إلى أربعة ألقاب عالمية، ويمنح ميسي نهاية تاريخية محتملة لمسيرته المونديالية. (AP News)
أما انتصار إسبانيا، فسيمنحها اللقب الثاني ويؤكد نجاح مشروعها القائم على الجمع بين جيل شاب وعناصر خبيرة، كما سيعزز مكانة لامين يامال بوصفه أحد أبرز نجوم المستقبل.
وفي المحصلة، قد تحمل المباراة مواجهة جماعية بين الاستحواذ الإسباني والواقعية الأرجنتينية، لكن الحسم قد يأتي من إحدى المعارك الفردية الثلاث. تمريرة واحدة من ميسي، أو افتكاك من رودري، أو انطلاقة من يامال، ربما تكون كافية لتغيير تاريخ كأس العالم وتحديد المنتخب الذي سيرفع الكأس في نيوجيرسي.
