
واصل المنتخب المغربي كتابة فصل جديد من فصول التألق العربي في كأس العالم 2026، بعدما نجح في عبور المنتخب الهولندي بركلات الترجيح بنتيجة 4-3، عقب نهاية الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل الإيجابي 1-1، في مواجهة قوية ومثيرة شهدت ندية كبيرة، وفرصًا خطيرة من الجانبين، وتألقًا لافتًا للحارس ياسين بونو الذي لعب دور البطولة في اللحظات الحاسمة.
المباراة لم تكن سهلة على الإطلاق أمام منتخب هولندي يمتلك خبرة كبيرة في البطولات الكبرى، وأسماء قادرة على صناعة الفارق في أي لحظة، لكن المنتخب المغربي تعامل مع اللقاء بروح قتالية عالية، وحافظ على توازنه رغم التأخر في النتيجة خلال الشوط الثاني، قبل أن يعود في الوقت القاتل بهدف ثمين أعاد المباراة إلى نقطة البداية، وفتح الطريق أمام “أسود الأطلس” لحسم التأهل من بوابة ركلات الترجيح.
بداية حذرة وفرص خطيرة قبل نهاية الشوط الأول
دخل المنتخبان المواجهة بحذر واضح، حيث حاول المنتخب الهولندي فرض أسلوبه عبر الاستحواذ والتحولات السريعة، بينما اعتمد المنتخب المغربي على التنظيم الدفاعي والضغط في مناطق محددة، مع البحث عن المساحات خلف دفاعات هولندا عن طريق الأطراف والتمريرات الطولية.
ومع مرور الدقائق، بدأ إيقاع المباراة يرتفع تدريجيًا، خاصة من جانب المنتخب الهولندي الذي كاد أن يفتتح التسجيل في الدقيقة 43، بعدما أطلق فان دي فين تسديدة قوية من خارج منطقة الجزاء، بدت في طريقها نحو الشباك، إلا أن ياسين بونو كان حاضرًا في الموعد، وتصدى للكرة ببراعة كبيرة محافظًا على نظافة شباكه.
ورد المنتخب المغربي في الوقت المحتسب بدل الضائع من الشوط الأول بمحاولة خطيرة، حين سدد عز الدين أوناحي كرة قوية من خارج منطقة الجزاء في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، لكنها مرت أعلى العارضة بقليل. وبعدها بدقيقتين، أهدر صيباري فرصة أخرى بعد عرضية من ركلة حرة، لكنه لم يتمكن من اللحاق بالكرة أمام المرمى، لينتهي الشوط الأول بالتعادل السلبي دون أهداف.
المغرب يضغط والعارضة تحرم حكيمي من هدف التقدم
مع بداية الشوط الثاني، ظهر المنتخب المغربي بصورة هجومية أفضل، ونجح في نقل اللعب إلى مناطق المنتخب الهولندي، مستفيدًا من تحركات لاعبيه في وسط الملعب وسرعة الأطراف. وكاد المغرب أن يفتتح التسجيل في الدقيقة 52، بعدما تلقى أشرف حكيمي تمريرة طولية رائعة من عز الدين أوناحي، ليسدد كرة قوية ارتدت من القائم، وسط حسرة كبيرة من لاعبي وجماهير المغرب.
واصل “أسود الأطلس” ضغطهم بحثًا عن هدف التقدم، وعاد المنتخب المغربي لتهديد مرمى هولندا في الدقيقة 61، عندما وصلت الكرة إلى بلال الخنوس داخل منطقة الجزاء، ليسدد كرة خطيرة تصدى لها الحارس فيربورجين بنجاح، مانعًا هدفًا مغربيًا كان قريبًا للغاية.
ورغم الأفضلية المغربية خلال تلك الفترة، بقي المنتخب الهولندي خطيرًا في المرتدات، مستغلًا جودة لاعبيه في التحول السريع من الدفاع إلى الهجوم، وهو ما جعل المباراة مفتوحة على كل الاحتمالات.

جاكبو يعاقب المغرب بهدف عكس سير اللعب
وفي الدقيقة 72، وعلى عكس مجريات اللعب، نجح المنتخب الهولندي في افتتاح التسجيل بعد هجمة بدأت بكرة طويلة من الحارس، أربكت الدفاع المغربي، لتصل في النهاية إلى كودي جاكبو الذي تعامل معها بذكاء وأسكنها الشباك، مانحًا هولندا هدف التقدم في توقيت صعب.
الهدف الهولندي وضع المنتخب المغربي تحت ضغط كبير، خصوصًا أن الدقائق المتبقية كانت تمضي سريعًا، إلا أن لاعبي المغرب لم يفقدوا تركيزهم، وحاولوا العودة إلى اللقاء عبر تكثيف الضغط الهجومي وإرسال الكرات العرضية داخل منطقة الجزاء.
وكاد جاكبو أن يضيف الهدف الثاني في الدقيقة 87، بعدما وجد نفسه في موقف خطير داخل المنطقة، لكن الدفاع المغربي تدخل في الوقت المناسب وأبعد الكرة، ليبقي آمال المغرب قائمة في العودة خلال الدقائق الأخيرة.

عيسى ديوب يخطف التعادل في الوقت القاتل
وفي الدقيقة الأولى من الوقت المحتسب بدل الضائع، جاءت اللحظة التي انتظرها المغاربة. أرسل شمس الدين طالبي عرضية متقنة داخل منطقة الجزاء، ارتقى لها عيسى ديوب ببراعة، وحولها برأسه إلى داخل الشباك، مسجلًا هدف التعادل الثمين للمنتخب المغربي.
هذا الهدف أعاد الروح إلى لاعبي المغرب، وأشعل أجواء المباراة من جديد، بعدما بدا أن المنتخب الهولندي في طريقه لحسم بطاقة التأهل. لكن الإصرار المغربي كان حاضرًا حتى اللحظة الأخيرة، ليتمكن “أسود الأطلس” من جر المباراة إلى الأشواط الإضافية.
الأشواط الإضافية تزيد الإثارة دون حسم
دخل المنتخب المغربي الشوط الإضافي الأول بمعنويات مرتفعة بعد هدف التعادل المتأخر، وكاد سفيان رحيمي أن يمنح فريقه التقدم في الدقيقة 96، بعدما حصل على فرصة خطيرة داخل منطقة الجزاء، إلا أن الحارس الهولندي تصدى لمحاولته ببراعة.
وفي الشوط الإضافي الثاني، استمرت المحاولات من الطرفين، لكن الحذر كان حاضرًا بشكل أكبر، خاصة مع الإرهاق البدني الواضح على اللاعبين. وسنحت فرصة جديدة للمنتخب المغربي في الدقيقة 107، عندما كاد جيسيم ياسين أن يلحق بكرة طولية داخل منطقة الجزاء، غير أن الدفاع الهولندي تدخل في اللحظة الأخيرة وأبعد الخطر.
ومع استمرار التعادل 1-1 حتى نهاية الأشواط الإضافية، احتكم المنتخبان إلى ركلات الترجيح، في سيناريو يحتاج إلى أعصاب قوية وتركيز عالٍ.

بونو بطل الترجيح والمغرب يحسم التأهل
في ركلات الترجيح، ظهر ياسين بونو مجددًا بشخصيته الكبيرة وخبرته الواسعة في اللحظات الحاسمة، حيث منح المنتخب المغربي أفضلية نفسية واضحة، وساهم في حسم المواجهة لصالح “أسود الأطلس” بنتيجة 4-3.
لم يكن تألق بونو مفاجئًا، فهو أحد أبرز الحراس في العالم خلال السنوات الأخيرة، واعتاد الظهور بقوة في المباريات الكبرى، سواء مع الأندية أو المنتخب. وفي هذه المواجهة، أكد مجددًا أنه عنصر حاسم في منظومة المنتخب المغربي، ليس فقط بتصدياته داخل المباراة، بل أيضًا بحضوره الذهني في ركلات الترجيح.
شخصية المغرب تصنع الفارق
أبرز ما ميّز المنتخب المغربي في هذه المباراة هو قدرته على التعامل مع الضغط، خصوصًا بعد استقبال هدف في توقيت حساس. فبدلًا من الانهيار أو التسرع، حافظ اللاعبون على تنظيمهم، وواصلوا البحث عن التعادل بطريقة متوازنة.
كما ظهر دور خط الوسط المغربي بشكل واضح في بناء اللعب، خاصة عبر تحركات أوناحي والخنوس، إضافة إلى المساندة الهجومية من حكيمي. ورغم أن هولندا امتلكت لاعبين أصحاب جودة عالية في التحولات، فإن المغرب نجح في الحد من خطورتهم لفترات طويلة.
المدرب المغربي نجح أيضًا في إدارة المباراة ذهنيًا، حيث حافظ الفريق على إيمانه بإمكانية العودة حتى الدقائق الأخيرة، وهو ما انعكس في هدف التعادل القاتل، ثم في الثبات خلال ركلات الترجيح.
تأثير النتيجة على مشوار المغرب في كأس العالم 2026
هذا الفوز يمنح المنتخب المغربي دفعة معنوية هائلة قبل مواجهة كندا في دور الـ16 من كأس العالم 2026، حيث يدخل “أسود الأطلس” المرحلة المقبلة بثقة كبيرة، بعدما أطاحوا بمنتخب أوروبي قوي بحجم هولندا.
النتيجة لا تعني فقط التأهل، بل تؤكد أن المنتخب المغربي بات يمتلك شخصية المنتخبات الكبرى، وقادر على المنافسة في المباريات الإقصائية مهما كانت صعوبة الخصم. كما أن الفوز بركلات الترجيح يعزز ثقة اللاعبين في أنفسهم، ويمنح الجهاز الفني مساحة أكبر للتحضير للمواجهة المقبلة بمعنويات مرتفعة.
وسيكون التحدي القادم أمام كندا مختلفًا من الناحية الفنية، لكن المغرب يدخل اللقاء القادم وهو يدرك أن مواصلة الحلم تتطلب نفس الروح، ونفس الانضباط، ونفس الإيمان الذي ظهر أمام هولندا.
خلاصة
بهذا الانتصار المثير، يواصل المنتخب المغربي حضوره القوي في كأس العالم 2026، ويثبت أن إنجازه لم يعد مجرد مفاجأة عابرة، بل نتيجة عمل فني وذهني متكامل. وبين تألق بونو، وصلابة الدفاع، وإصرار اللاعبين حتى الثواني الأخيرة، نجح المغرب في عبور اختبار هولندا الصعب، ليبقى الحلم قائمًا في مواصلة المشوار نحو مراحل أبعد في البطولة العالمية.
