
عدّ الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو، مدرب المنتخب الأمريكي الأول لكرة القدم، أن السجل الضعيف لمنتخب الولايات المتحدة أمام المنتخبات
الأوروبية خلال السنوات الأخيرة لا يعكس مشكلة فنية ثابتة، مؤكدًا أن ما حدث يمكن وصفه بأنه “مصادفة”، وذلك قبل مواجهة منتخب
البوسنة والهرسك، الخميس، ضمن منافسات دور الـ32 من كأس العالم 2026.
وتدخل الولايات المتحدة المواجهة وسط ترقب جماهيري كبير، خاصة أن البطولة تقام على أرضها بالشراكة مع كندا والمكسيك، ما يضع
المنتخب الأمريكي تحت ضغط إضافي من أجل الذهاب بعيدًا في البطولة، وتحقيق نتيجة تليق بطموحات الجماهير.
ورغم أن المنتخب الأمريكي يعد على الورق الطرف الأقرب للتأهل، بحكم عاملي الأرض والجمهور، إضافة إلى تقدمه الكبير في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” مقارنة بالبوسنة، فإن بوكيتينو رفض التعامل مع اللقاء باعتباره مهمة سهلة، مشددًا على ضرورة احترام المنافس
وعدم الانخداع بالتوقعات المسبقة.
عقدة أوروبية تلاحق المنتخب الأمريكي
يدخل منتخب الولايات المتحدة مواجهة البوسنة وهو يحمل رقمًا سلبيًا أمام منتخبات أوروبا، إذ خسر مبارياته العشر الأخيرة أمام منافسين أوروبيين خلال آخر خمسة أعوام.
ويعود آخر فوز أمريكي على منتخب أوروبي إلى مباراة تجريبية عام 2021، والمفارقة أنها كانت أمام منتخب البوسنة والهرسك نفسه، وهو ما يضيف بعدًا خاصًا للمواجهة المقبلة في كأس العالم 2026.
ومنذ التعادل السلبي أمام إنجلترا في النسخة الماضية من كأس العالم، تلقى المنتخب الأمريكي عدة هزائم أمام منتخبات أوروبية، من بينها هولندا، وصربيا، وسلوفينيا، وسويسرا، وبلجيكا، والبرتغال، إضافة إلى خسارتين أمام ألمانيا ومثلهما أمام تركيا.
ورغم قسوة هذه الأرقام، فإن بوكيتينو لا يرى أنها تعني وجود أزمة حقيقية في تعامل المنتخب الأمريكي مع أساليب اللعب الأوروبية.
بوكيتينو: أمامنا فرصة لمقارعة التاريخ
قال بوكيتينو خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده في سان فرانسيسكو إن الحديث عن معاناة المنتخب الأمريكي أمام المنتخبات الأوروبية لا يمثل بالنسبة له حقيقة فنية راسخة، موضحًا أن الأمر قد يكون مرتبطًا بسياقات المباريات والظروف المحيطة بها.
وأكد المدرب الأرجنتيني أن مواجهة البوسنة تمثل فرصة جيدة لتغيير الصورة، ليس فقط على مستوى المباراة الحالية، بل أيضًا على مستوى السنوات الخمس الماضية التي شهدت تراجع نتائج الولايات المتحدة أمام المنتخبات الأوروبية.
وأضاف أن مثل هذه المواجهات تصنع تحديًا جديدًا للجهاز الفني واللاعبين، خاصة أن المنتخب الأمريكي وصل إلى مرحلة خروج المغلوب، ولا يملك رفاهية ارتكاب الأخطاء أو التهاون أمام أي منافس.
وتكشف تصريحات بوكيتينو عن رغبته في تحويل الضغط إلى دافع إيجابي، بدلًا من السماح للأرقام السلبية بأن تتحول إلى عبء ذهني على اللاعبين قبل المباراة.
أمريكا مرشحة على الورق.. لكن بوكيتينو يحذر
يتقدم المنتخب الأمريكي بفارق كبير في تصنيف “فيفا” على منتخب البوسنة والهرسك، إذ يتفوق عليه بـ46 مركزًا في التصنيف الأخير، كما أن اللعب على الأرض يمنحه دعمًا جماهيريًا واضحًا.
لكن بوكيتينو رفض وصف فريقه بالمرشح السهل أو الأوفر حظًا بشكل مطلق، مؤكدًا أن مباريات الأدوار الإقصائية لا تخضع دائمًا لحسابات التصنيف أو التوقعات الإعلامية.
وأشار المدرب الأرجنتيني إلى أن البطولة الحالية شهدت مفاجآت قوية في دور الـ32، من بينها خروج منتخبات كبيرة مثل ألمانيا وهولندا، إضافة إلى فوز البرازيل بصعوبة على اليابان، وهو ما يعكس طبيعة هذه المرحلة التي لا تحتمل الاستهانة بأي منافس.
ويرى بوكيتينو أن احترام البوسنة يجب أن يكون كاملًا، لأن المنتخب البوسني يملك دوافع كبيرة للعبور إلى دور الـ16، كما أنه سيدخل المباراة دون ضغوط كبيرة مقارنة بالمنتخب الأمريكي.
لماذا اختبرت أمريكا نفسها أمام الكبار؟
رغم سلسلة الهزائم أمام المنتخبات الأوروبية، فإن كثيرًا من تلك النتائج جاءت أمام منافسين من الصف الأول، بعدما اختار المنتخب الأمريكي مواجهة منتخبات قوية في مباريات تجريبية، بدلًا من خوض اختبارات سهلة.
وجاء ذلك بسبب عدم حاجة الولايات المتحدة لخوض التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 2026، باعتبارها إحدى الدول المستضيفة للبطولة، ما دفع الجهاز الفني والاتحاد الأمريكي إلى البحث عن مباريات ودية قوية لرفع مستوى الاحتكاك وتجهيز اللاعبين.
وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة كل الهزائم بمعزل عن قوة المنافسين أو سياق التحضيرات. فالخسارة أمام منتخبات مثل ألمانيا، البرتغال، بلجيكا أو هولندا قد تكون مؤلمة من ناحية الأرقام، لكنها تمنح الجهاز الفني مؤشرات مهمة حول نقاط القوة والضعف.
ومع ذلك، تبقى مواجهة البوسنة اختبارًا مختلفًا، لأنها ليست مباراة ودية أو تحضيرية، بل لقاء إقصائي مباشر في كأس العالم، والفوز وحده هو ما يمنح بطاقة العبور إلى دور الـ16.
البوسنة تبحث عن استغلال الضغط الأمريكي
في المقابل، يدخل منتخب البوسنة والهرسك اللقاء وهو يدرك أن الضغط الأكبر سيكون على المنتخب الأمريكي، سواء بسبب الاستضافة أو التوقعات الجماهيرية أو أفضلية التصنيف.
ومن المنتظر أن يحاول المنتخب البوسني التعامل مع المباراة بواقعية كبيرة، من خلال إغلاق المساحات، والاعتماد على التنظيم الدفاعي، ثم البحث عن فرص في التحولات السريعة أو الكرات الثابتة.
وقد يكون العامل الذهني أحد مفاتيح المباراة، لأن المنتخب الأمريكي مطالب بالتسجيل وفرض شخصيته أمام جماهيره، بينما يستطيع منتخب البوسنة اللعب بهدوء أكبر وانتظار لحظاته داخل اللقاء.
تحليل فني قبل المواجهة
من الناحية الفنية، ستكون بداية المباراة مهمة للغاية بالنسبة للمنتخب الأمريكي. فإذا نجح الفريق في فرض إيقاعه مبكرًا والوصول إلى مرمى البوسنة خلال الدقائق الأولى، فقد يخفف الضغط عن لاعبيه ويجبر المنافس على الخروج من مناطقه.
لكن في حال طال التعادل، قد تتحول المباراة تدريجيًا إلى اختبار عصبي للولايات المتحدة، خصوصًا مع تزايد الضغط الجماهيري وذكريات النتائج السلبية أمام المنتخبات الأوروبية.
ويحتاج بوكيتينو إلى توازن واضح بين الاندفاع الهجومي والحذر الدفاعي، لأن مباريات خروج المغلوب كثيرًا ما تُحسم بتفاصيل صغيرة. فالسيطرة على الكرة لا تكفي وحدها، بل يجب ترجمتها إلى فرص حقيقية وأهداف، مع تجنب الهجمات المرتدة التي قد تمنح البوسنة أفضلية مفاجئة.
أما البوسنة، فستحتاج إلى الصلابة الدفاعية والتركيز العالي، مع محاولة استغلال أي مساحات خلف دفاع المنتخب الأمريكي. كما أن التعامل مع الكرات الثابتة قد يكون عنصرًا مهمًا في مواجهة يتوقع أن تكون مغلقة في بعض فتراتها.
تأثير المباراة على مشوار المنتخب الأمريكي
تمثل مواجهة البوسنة محطة مفصلية في مشوار الولايات المتحدة بكأس العالم 2026، لأن الفوز سيمنح المنتخب دفعة معنوية كبيرة ويعزز الثقة في مشروع بوكيتينو، بينما سيشكّل الخروج المبكر ضربة قوية لطموحات البلد المضيف.
كما أن تجاوز منتخب أوروبي في هذه المرحلة قد يساعد المنتخب الأمريكي على كسر الصورة السلبية التي لازمته خلال السنوات الأخيرة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الثقة في الأدوار الإقصائية.
وبالنسبة لبوكيتينو، فإن المباراة تحمل قيمة مضاعفة، لأنها قد تكون اختبارًا حقيقيًا لقدرته على إدارة الضغط وقيادة المنتخب في بطولة تقام على أرضه، وسط توقعات مرتفعة من الجماهير والإعلام.
خاتمة
رفض ماوريسيو بوكيتينو تضخيم السجل السلبي للمنتخب الأمريكي أمام المنتخبات الأوروبية، معتبرًا أن الأمر قد يكون مجرد مصادفة، لكنه في الوقت ذاته شدد على احترام منتخب البوسنة والهرسك قبل المواجهة المرتقبة في دور الـ32 من كأس العالم 2026.
وبين أفضلية أمريكية على الورق، وطموح بوسني في قلب التوقعات، تبدو المباراة مفتوحة على كل الاحتمالات. فالملعب وحده سيحسم ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على كسر عقدة السنوات الماضية، أو أن البوسنة ستنجح في إضافة مفاجأة جديدة إلى أدوار خروج المغلوب.
