
يدخل البوسني السويسري فلاديمير بيتكوفيتش، مدرب المنتخب الجزائري الأول لكرة القدم، مواجهة من نوع خاص عندما يقود
“محاربي الصحراء” أمام منتخب سويسرا، الخميس، في مدينة فانكوفر الكندية، ضمن منافسات دور الـ32 من كأس العالم 2026.
ولا تبدو المباراة عادية بالنسبة للمدرب صاحب الـ62 عامًا، فهو لا يواجه منتخبًا يعرفه من بعيد، بل يصطدم ببلده الثاني، وبالفريق الذي
قاده لسنوات طويلة وترك معه بصمة واضحة في البطولات الكبرى. فقد سبق لبيتكوفيتش أن أشرف على المنتخب السويسري بين عامي
2014 و2021، وقاده إلى ثمن نهائي كأس أوروبا 2016، وثمن نهائي كأس العالم 2018، ثم إلى ربع نهائي كأس أوروبا 2021، في إنجاز تاريخي
تحقق بعد إقصاء فرنسا.
الجزائر تعبر دور المجموعات بصعوبة
بلغ المنتخب الجزائري دور الـ32 بعد مشوار مثير في دور المجموعات، كان آخره التعادل القوي أمام النمسا بنتيجة 3-3 في الجولة الثالثة، وهي نتيجة منحت “الخضر” بطاقة العبور إلى الأدوار الإقصائية للمرة الثانية في تاريخ مشاركاتهم الخمس بكأس العالم.
ورغم أن التأهل جاء بصعوبة، فإن المنتخب الجزائري نجح في البقاء داخل البطولة، ليمنح نفسه فرصة جديدة لكتابة فصل مختلف في تاريخه المونديالي. وبعد نهاية مواجهة النمسا، سُئل بيتكوفيتش عن لقاء سويسرا، لكنه فضّل تأجيل الحديث الفني عن المواجهة، مؤكدًا أن الأهم أولًا هو الاستمتاع بلحظة التأهل.
وقال المدرب البوسني السويسري إن مواجهة سويسرا تمثل تحديًا كبيرًا، لكنه شدد على أن فريقه سيدخل اللقاء برغبة واضحة في مواصلة المشوار وعدم الاكتفاء بعبور دور المجموعات.
بيتكوفيتش يعرف سويسرا جيدًا
الميزة الأبرز التي قد يمتلكها المنتخب الجزائري في هذه المباراة تتمثل في معرفة بيتكوفيتش العميقة بالكرة السويسرية، ليس فقط من خلال تدريبه للمنتخب، بل أيضًا بسبب سنوات طويلة قضاها لاعبًا ومدربًا داخل سويسرا.
وقال بيتكوفيتش عن المنتخب السويسري:
“أعرفهم جيدًا، حتى وإن كانت هناك بعض الوجوه الجديدة، هناك من لعب معي، وبالتالي أعرف أولئك اللاعبين”.
وأضاف أن سويسرا منتخب قوي يمتلك خبرة كبيرة ويشارك بانتظام في البطولات الأوروبية والعالمية الكبرى، مشيرًا إلى أنه يعرف فلسفته الكروية جيدًا، وسيعمل مع جهازه الفني على دراسة المنافس بدقة من أجل وضع الخطة الأنسب.
وتحمل هذه المعرفة قيمة مهمة قبل مباراة خروج مغلوب، لأن التفاصيل الصغيرة قد تصنع الفارق، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنتخب منظم مثل سويسرا.
فاسناخت يعترف بفضل بيتكوفيتش
من الجانب السويسري، لا تخلو المواجهة من مشاعر خاصة أيضًا. فقد تحدث المهاجم السويسري كريستيان فاسناخت عن علاقته ببيتكوفيتش، مؤكدًا أن المدرب الحالي للجزائر كان أول من استدعاه إلى المنتخب الوطني عام 2018.
وقال فاسناخت إنه سيظل ممتنًا لبيتكوفيتش، معتبرًا أن له مكانة خاصة في قلبه. لكنه في الوقت ذاته أشار إلى أن معرفة المدرب البوسني السويسري بلاعبي “ناتي” وشخصياتهم قد تمنح المنتخب الجزائري أفضلية نسبية.
وأوضح أن 15 لاعبًا من التشكيلة الحالية لمنتخب سويسرا سبق لهم اللعب تحت قيادة بيتكوفيتش، ما يعني أن المدرب يعرف الكثير عن قدراتهم ونقاط ضعفهم والجوانب الذهنية المرتبطة بهم، لكنه شدد على أن هذه الأفضلية ليست حاسمة.
ياكين وبيتكوفيتش.. صراع قديم يتجدد
المواجهة لا تقتصر على بيتكوفيتش والمنتخب السويسري فقط، بل تمتد أيضًا إلى مدرب سويسرا الحالي مورات ياكين، الذي يعرف بيتكوفيتش جيدًا من مواجهاتهما السابقة في الدوري السويسري.
وأشار ياكين إلى أن المباراة تمثل موعدًا متجددًا مع “فلادو”، وهو الاسم الذي يُعرف به بيتكوفيتش، لافتًا إلى أنه واجهه سابقًا عندما كانا مدربين في الكرة السويسرية.
وتاريخيًا، لم ينجح بيتكوفيتش في تحقيق أي فوز خلال خمس مباريات أمام فرق يقودها ياكين. فقد تعادل ثلاث مرات عندما كان مدربًا ليونغ بويز أمام تون بقيادة ياكين، قبل أن يخسر عام 2012 عندما كان مدربًا لسيون أمام لوتسيرن بنتيجة 3-1.
ورغم أن هذه الأرقام تعود إلى سنوات بعيدة وعلى مستوى الأندية، فإنها تضيف بعدًا إضافيًا للمباراة، وتجعل الصراع الفني بين المدربين جزءًا من حكاية اللقاء.
علاقة طويلة بين بيتكوفيتش وسويسرا
بدأت علاقة بيتكوفيتش بسويسرا منذ عام 1987 عندما كان لاعب وسط، واستمرت حتى اعتزاله عام 1999. وبعد نهاية مسيرته كلاعب، انتقل إلى التدريب، حيث أشرف على عدة أندية سويسرية قبل أن يخوض تجربة خارجية مع لاتسيو الإيطالي.
وفي عام 2014، تولى تدريب المنتخب السويسري، وبقي في منصبه سبعة أعوام، قاد خلالها “ناتي” في 78 مباراة، ليصبح من أكثر المدربين استمرارية في تاريخ المنتخب.
وكانت أبرز محطاته قيادة سويسرا إلى ربع نهائي كأس أوروبا 2021 للمرة الأولى في تاريخها، بعدما أطاح بمنتخب فرنسا، حامل لقب كأس العالم حينها، في واحدة من أكبر مفاجآت البطولة.
الجزائر تراهن على الاستقرار الفني
بعد رحيله عن المنتخب السويسري، خاض بيتكوفيتش تجربة قصيرة مع بوردو الفرنسي، لكنها لم تكتمل بنجاح، قبل أن يعود إلى الواجهة من بوابة المنتخب الجزائري في فبراير 2024.
ونجح المدرب في إعادة الجزائر إلى كأس العالم بعد الغياب عن نسختي 2018 و2022، وهو ما جعل الاتحاد الجزائري يجدد ثقته به ويمدد عقده حتى يوليو 2028، رغم خيبة الخروج من ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية أمام نيجيريا.
ويرى الاتحاد الجزائري أن الاستقرار الفني يمثل عنصرًا أساسيًا في مشروع المنتخب، خاصة أن بيتكوفيتش حقق نتائج لافتة منذ توليه المهمة، وأعاد للمنتخب حضوره في الساحة العالمية.
تحليل فني للمواجهة
فنيًا، ستكون المباراة اختبارًا صعبًا للمنتخب الجزائري. فسويسرا منتخب منظم، يجيد التعامل مع المباريات الإقصائية، ويمتلك خبرة كبيرة في البطولات الكبرى. كما أن لاعبيه يتمتعون بانضباط تكتيكي واضح وقدرة على إدارة فترات المباراة بذكاء.
في المقابل، قد تعتمد الجزائر على معرفة بيتكوفيتش بتفاصيل الكرة السويسرية، إلى جانب الروح القتالية التي ظهرت في مواجهة النمسا. ويحتاج “الخضر” إلى بداية متوازنة، لأن استقبال هدف مبكر أمام منتخب مثل سويسرا قد يجعل المهمة أكثر تعقيدًا.
وسيكون وسط الملعب مفتاحًا مهمًا في اللقاء، إذ يجب على الجزائر منع سويسرا من التحكم في الإيقاع، مع استغلال سرعة التحولات والكرات خلف الدفاع. كما أن الكرات الثابتة قد تكون عاملًا حاسمًا في مباراة متوقعة أن تُحسم بتفاصيل صغيرة.
تأثير المباراة على مشوار الجزائر
تمثل مواجهة سويسرا فرصة تاريخية للمنتخب الجزائري لتحقيق أول فوز له في الأدوار الإقصائية من كأس العالم. وكانت التجربة السابقة في ثمن نهائي مونديال 2014 قد انتهت بخسارة مؤلمة أمام ألمانيا بنتيجة 2-1 بعد التمديد.
وفي حال نجحت الجزائر في تجاوز سويسرا، فإن ذلك سيمنح المنتخب دفعة معنوية كبيرة، ويؤكد أن العودة إلى كأس العالم لم تكن مجرد مشاركة، بل بداية مشروع تنافسي حقيقي تحت قيادة بيتكوفيتش.
أما الخروج من دور الـ32، فسيجعل التأهل من دور المجموعات إنجازًا جزئيًا، لكنه لن يُلغي المكاسب التي حققها المنتخب، خاصة بعد العودة إلى المحفل العالمي وبناء شخصية جديدة في المباريات الكبرى.
خاتمة
تضع قرعة دور الـ32 فلاديمير بيتكوفيتش أمام اختبار عاطفي وفني معقد، حين يقود الجزائر أمام سويسرا، البلد الذي صنع فيه جزءًا كبيرًا من تاريخه الكروي والتدريبي.
وبين معرفة المدرب العميقة بخصمه، وخبرة المنتخب السويسري، وطموح الجزائر في كتابة إنجاز جديد، تبدو المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات. لكن المؤكد أن “محاربي الصحراء” يدخلون اللقاء بحلم واضح: مواصلة المشوار وتحقيق أول انتصار جزائري في الأدوار الإقصائية لكأس العالم.
